يصادف هذا العام الاحتفال بالعيد الخمسين لتأسيس مستشفى الجامعة الأردنية، هذا المستشفى التعليمي الرائد والرابض فوق تلال عمان بفرح وفخر عبر مسيرته الممتدة على أنغام الشفاء لمن قصده بهدف المعالجة، فمسيرته العلاجية بشتى درجاتها ومفاهيمها، مضافة اليها القيمة التعليمية والبحثية المكللة بانجازات على المستوى الوطني والإقليمي والعالمي لتجعل منه المؤسسة التعليمية والعلاجية الأولى على المستوى الوطني والمحيط، مرجعا علاجيا يصعب القفز عن مكانته وامكاناته، توأما مع مؤسسات كثيرة على مستوى الوطن، لتكون القيادة جزءاً من المهمة التي يتحملها، فمسيرته شاهد على تطوره، من بدايات متواضعة بسبب محدودية الموارد وظروف الأداء الصعبة، لأداء متقدم بأحدث الطرق المنافسة؛ تاريخه المشرف يجسد سلسلة من الانجازات التي جعلته يتربع على قمة المؤسسات الصحية بالأداء، شريكاً بدون استفراد كمنطلق للإيمان بأهمية التعاون ضمن منظومة النهوض التي ترفع من أهمية الأداء بالقدر الذي يسمح.
استعراض للمسيرة وتاريخ المستشفى يوضح بوجود رؤية وطموح يجسدان الواقع الحالي ويخطط للمستقبل الذي يضمن استمرارية الانتماء للكبار بقرائن وبراهين يصعب حصرها بل يمكن اختصارها بحصول المستشفى على شهادات الاعتماد العالمية كمؤسسة علاجية متميزة ومركز تعليمي متقدم، خصوصاً بوجود خدمة نوعية متخصصة بمختلف الفروع العلاجية يقوم على تقديمها وأدائها فريق طبي متكامل بخبرات متميزة، العلاجية منها والمساندة والإدارية ضمن فريق العمل الواحد بخدمات متكاملة تهدف بالأساس للشفاء من المرض وانتهاء فترة الشكوى والحرمان، فقد انتشرت المراكز الدقيقة بمختلف التخصصات الطبية بالتوازي مع ركب التطورات العالمية خصوصاً أن إدارة الجامعة والمستشفى قد وفرت الأجهزة والمعدات الطبية التي تسمح بتقديم الرعاية الصحية والعلاجية بأحدث صورها، واقع قد سمح للخبرات الطبية بترجمة ما اكتسبت وتوظيفه بالشكل الأمثل للأداء.
مستشفى الجامعة الأردنية رمزا وطنيا متميزا استطاع عبر سنوات عمره الخمسين وبإمكانات محدودة في البدايات أن يحتل مكانة علمية مرموقة بين الكبار، فلا يقتصر دوره الوطني على الشق العلاجي بمفهومه المتعارف كمؤسسة علاجية، بل تعدى حدود ذلك ليكون حاضنا للعديد من المراكز البحثية التي تساهم بانجازاتها لخدمة البشرية، ومركزا تعليميا يضخ سنويا كوكبة من الأبناء بعد تسلحها بالعلم والمعرفة، فكان الأساس للسمعة الطبية المتقدمة والرائدة التي نالها الأردن في المنطقة والعالم، باعتباره وحدة من وحدات الجامعة الأردنية الأم وبعلاقة متقاطعة مع الكليات الصحية وخصوصا كلية الطب، فالخدمات المهنية والفنية التي تقدم هي بالأساس من قبل أعضاء الهيئة التدريسية بالكليات الصحية المختلفة ضمن منظومة محكمة، ساهمت باستقطاب الكفاءات المتميزة لتوظيف عطائها بالشكل الذي يمنحها فقرة التميز التي نتحدث عنها، وعلينا أن نذكر قائمة تطول من الأبناء الذين يخدمون وخدموا بشرف بمراكز قيادية على مستوى الدولة الأردنية، وسام شرف متبادل لهم ولمؤسستهم.
يحتضن المستشفى عبر مساحته لجميع أنواع التخصصات الطبية العامة منها والفرعية، ساعد بتوفرها عزم القائمين وأصحاب القرار بتوفير مبررات الراحة والاطمئنان لجعل المستشفى محجاً صحياً للشفاء ومركزا متكاملاً حتى بالتخصصات الدقيقة ضمن مساحة من التوسع الأفقي والعامودي بالبنية التحتية والانشائية بالقدر الذي تسمح فيه السيولة المادية، وربما يقفز للذاكرة سؤالاً يحيرني منذ سنوات بعدم وجود رعاية حكومية حقيقية للمساعدة على ديمومة هذه المؤسسة بتقديم المساعدات التي تسمح بالصيانة الدورية لجميع المرافق وتحديث المستحق منها، أسوة بمرافق العناية الصحية الأخرى فأعيش حسرة نازفة من جرح العمر عندما أسمع وأشاهد ملايين الدنانير التي تنفق على مراكز الرعاية الصحية المنتشرة بدون تحديد نسبة ونصيب منها لهذا الصرح الطبي حيث أراهن أنه كان سببا لعلاج وشفاء كل منا أو أفراد عائلتنا الممتدة، فتصنيف المستشفى بنظر أصحاب القرار الحكومي لا يعتمد على فقرة واضحة، بل يستند للاجتهاد الشخصي بين اعتباره مستشفىً خاصاً أو حكومياً أو تعليمياً أو خليطاً بين الفقرات السابقة ولكل منها محددات توظف بعضها بأوقات لتكون المحصلة النهائية دوامة العجز المالي بسيف يحجم الطموح ويجفف الآمال.
يمثل المعدل المرتفع لنسبة الإشغال بأسرة المستشفى أيقونة الاطمئنان لسلامة الأداء بمختلف التخصصات الطبية والفرعية، بالتوازي مع العدد الهائل من المرضى الذين يراجعون عيادات الاختصاص يومياً خصوصاً أن سرعة انجاز الفحوصات التشخيصية والمخبرية يساعد على البدء الفوري بالخطة العلاجية المناسبة للمريض ضمن سياسة تبادل التعاون بين مختلف الاختصاصات الطبية التي تسمح وتتطلب الاستشارة المتبادلة بين أبناء الصرح الصحي. الجهود المباركة للإدارات المتعاقبة على تحمل المسؤولية تستحق منا كلمة حق ووفاء، فقيادة مستشفى الجامعة الأردنية لا تقارن بأي من المؤسسات العلاجية الأخرى أبدا، حيث الاجتهاد أحيانا قد لا يكون موفقاً بل ويكون ظالماً، لكن ذلك لا ينكر أو يجحد بحق نخبة من أبناء كلية الطب والذين تحملوا مسؤولية إدارة المستشفى خصوصاً أن هناك علاقة مصيرية تحكمها اتفاقيات تتجدد لتقديم الرعاية الصحية للمواطنين المؤمنين بالتأمين الصحي، والتي تجعل المستشفى بضائقة مالية مستمرة نتيجة تراكم المستحقات ويقابلها مديونية تهدد المسيرة العلاجية والتعليمية لشركات الأدوية ومستودعات الأجهزة الطبية، سلاح بدرجة الاستعداد الدائم لإطلاق سهام على قلب المؤسسة العلاجية يقزم انطلاقها وطموحها إضافة لارتفاع فاتورة النفقات والصيانة بدون تغيرات على أسعار الخدمات العلاجية بما يتناسب وزيادة الأسعار المضطردة لان القرارات الحاسمة بتغيرات المستشفى تحكمها قوانين الجامعة ومجالس إداراتها، وهو الواقع الذي يحتاج لمراجعة ببنوده كدافع وضمان لاستمرار العطاء، أمنية برسم التحقيق، مذكرا بأن الاحتفال الحقيقي بميلاد المستشفى لن يكون تقليديا بإطفاء شمعة من عمره، بل سيكون إنارة شمعة أخرى على طريق الخير والتميز، وللحديث بقية.