زهير توفيق - تبدو ثقافات الشعوب في غاية التنوع،ومفهوم التنوع اغنى من التعدد، فهو يشير الى اختلاف المعايير والرؤى المنهجية بما يتجاوز الاختلاف الذي لا يوحي بتباين مضمونه بين المجتمعات التي تزداد تمايزا بتعدد الأمم، وتمايز تشكيلاتها الاجتماعية خاصة في الكيانات الصغرى التي تعيش هاجس الهوية، خوفا من ذوبانها في الكيانات الأكبر(الشيشان في روسيا)، وهي ثقافة جماعات استيقظت اخيرا على ايقاع الصراع الحضاري الذي دق ناقوسه انهيار الايديولوجيات الكبرى ، الموحدة للكيانات بتنوعها الحضاري والثقافي.
ورغم الثورة التكنولوجية والاتصالات التي وفرت للبشرية فرصة التعرف على ذاتها، وخلقت قاعدة اولية في العلاقات الدولية للتقارب والتعايش، الا انها اعادت الجماعات السابقة لهويتها ومكوناتها الأشد خصوصية، والتي تتقوّم كياناتها بها، وتشكل رصيدها الحضاري في ظل افتقارها لمقومات عصرية كالعلم والتقنية والديمقراطية،وفي هذا الصدد نشير الى ان البحث عن قواسم مشتركة وما يحفل به قاموس النزعة الانسانية المجردة من مفاهيم تستهدف ببراءتها تعايش الانظمة والثقافات المختلفة والاعتراف بالآخر، وتحقيق التواصل، تتحول في ظل تضارب المصالح الراهنة الى دعوة مثالية مضللة لاستدراج الشعوب للانخراط في النظام الاقتصادي؛اي تأبيد وظيفتها التابعة للنظام العالمي ومراكزه الاساسية التي تجاوزت مرحلة الحداثة الى العولمة كايديولوجيا مطابقة لمرحلة ما بعد الحداثة.
وبهذا الصدد تتلبس السياسة والانثروبولوجيا المقارنة لباس المثالية والموضوعية في دعوتها لبناء الثقافة العالمية من القيم المشتركة، وهي دعوة مفرطة بالتبسيط والاخلال بقواعد المنطق ـ رغم وجاهتها التطبيقية وضرورتها الاخلاقية- بتسويغ نفسها علميا بالاستناد على نزعة تطورية نسبية تدعي الحياد والموضوعية،بتاكيدها على ان التنوع مرحلة تاريخية حتمية ستمر بها، وتجتازها البشرية للوصول الى الثقافة العالمية ، وكأنها محطة نهائية او مثل أعلى يوجد حيث هو الان، ويوجب التقدم نحوه، اما جوهره ـ كما ابان العقل الغربي- فهو هو ذاته ؛اي انه يماهي الرأسمالية بالثقافة العالمية، وما على الشعوب الأخرى الا الإعتراف بها وتمثلها طوعا اختيارا قبل ان تكره عليها، وما على هذه الشعوب الا نفض حمولتها الحضارية للوصول والاندماج بها سريعا، ومن هنا اثارت العولمة الثقافية والاصلاح رفضا وتساؤلات عن الغايات المغرضة والأهداف، والثمن المطلوب من الآخر، ويتضمن هذا التسويغ عدم الاعتراف بالتنوع كوضعية خاصة لها خصوصيتها وشخصيتها المستقلة( وحتى لو تطورت تلك المجتمعات بتنوعها الراهن فلن تكون حصيلتها المعرفية والحضارية لصالح ما تدعيه من التوحيد والتمثل)،فالارجح ان تزداد الثقافات ومجتمعاتها تمايزا عن الاخر.
ولا يعني الاعتراف بالتنوع من حيث المبدأ كوضعية انبعاث نزعة ثقافية سكونية تجمّد الشعوب والجماعات في مراحل تطورها الراهنة، وتفسر أسباب قصورها وتخلفها بتكوينها الثقافي، وتعمل لاحقا على تخفيف غلوها بالموضوعية الكاذبة التي تبحث عن الهويات للاعتراف بها على صعيد الفكر والممارسة، والأصوب لنا جميعا النظر الى الثقافة والتنوع في إطار الصيرورة؛ أي في نطاق التحول الممكن الذي تؤكده ديناميكية الحضارة التي لا تنفي احتمال الارتداد عن تقدمها السابق حتى لثقافات تميّزت بحركتها الصاعدة وتقدمها المتواصل عندما تستنفد قواها المحركة وتعجز عن اختراق المرحلة الحاسمة التي تؤهلها للتقدم النوعي، وتقطع مع ماضيها قطعا ابستمولوجيا بتجاوز النقطة الحرجة من التراكم الحضاري الذي يضمن لها عدم الارتداد والعودة الى نقطة الصفر، واحيانا عندما ترتد لعوامل خارجة عن ارادتها بسبب الكوارث او الغزو الخارجي من قوى بدائية تدمر الحضارة والثقافة كما حصل لروما او للحواضر العربية التي تعرضت لاجتياح المغول والأتراك، حيث تضطر الحضارة لإعادة انتاج نفسها ؛اي تكرار تجربتها التاريخية في عالم لم يعد عالمها المطابق، فتؤكد ذاتها بكينونتها ؛اي بما كانت عليه لا بما سوف تكون، بعكس مجتمعات التقدم التي تحدد بالصيرورة، وتؤكد ذاتها بديناميكيتها الذاتية ثقافيا وحضاريا أمام الآخر ورغما عنه كشرط اولي لتحقيق حضورها الاصيل مقاسا بقدرتها على الفعل والتأثير وتغيير اتجاهات العالم ومعطياته الراهنة، كما انها تحمل مشروعا حضاريا ممكنا ؛ اي تصورا مطابقا يمكن تحويله وتطبيقه؛ بخلق شروط تحققه،عكس الثقافات الميتة ذات الحضور الزائف الذي تدّعيه وتعزي نفسها بكينونتها الفاسدة.
ولكن، ما هي الأسباب الحقيقية للتنوع؟ وهل نقنع بالفرضيات القائلة ان مصدر التنوع الثقافي هو التباين الارضي، وكأن التنوع معطى نهائي حتمي لا يمكن تجاوزه الا بتجاوز التباين(وهذا صحيح في نطاق الحضارات القديمة) وبالتالي فقد فرض هذا التباين استجابات مختلفة باختلاف البيئات، ولكن التاريخ الذي يتحول الى جغرافيا متحركة يدحض الجغرافيا الساكنة حاليا، فالانسان نتاج التاريخ(التطور) وفي طريقه لاستعادة المبادرة والسيطرة على الطبيعة، وهذا لا يعني نزعة ارادية لا تعير اهتماما للشروط الموضوعية، ولذلك فالثقافات لا تتباين تبعا للظروف الموضوعية التي وجدت بها فحسب، بل تتباين وتتنوع بمحض ارادتها وبوعيها الشديد لأبعاد المجازفة، كرفضها للتقليد والمحاكاة لثقافة أدنى أو أعلى منها لحل معضلات وجودها وتطورها، او لشدة اعتدادها بنفسها والإعتماد على ذاتها في شق نهجها الخاص خلافا للطرق المطروقة لتبرير أصالتها وإرادتها الخلاّقة وتوقها للتفوق والغلبة، ورفض الإندماج مع الآخر على قاعدة شروطه الوجودية، وهذا ما يفسر تنوع وتباين ثقافات تعيش نفس المعطيات الأرضية، وبالتالي فأغلب تحقيبات وتصنيفات فلسفة التاريخ والأنثروبولوجيا للثقافات والحضارات مجرد قوالب شكلية ـ لدواع اجرائية- ونماذج فرضية لفهم التاريخ ، وان تمظهرت في التحليل العلمي كنماذج استقرائية محكمة.
وهي تنسف نفسها بنفسها ما دامت تتحرك على ارض الايديولوجيا ، وتستمد معاييرها منها للقياس عليها، فالتحقيب قبل وبعد يستدعي معيارا يقسم العصور الى مراحل زمنية ترتفع او تنخفض جدارتها تبعا لابتعادها او اقترابها منه، واما التصنيف فيستدعي معيارا آخر لقياس ما هو أدنى في الواقع ، وما هو أعلى في المثال على سلم التطور الراهن، وحتى يكون صادقا لا بد ان يكون واقعيا، فالاكثر تقدما هو المطابق لواقعه الحي، ولذلك فلن تكون معايير التحقيب والتصنيف الا رأسماليه غربية، وليست نماذج او فرضيات علمية موضوعية متعالية على الواقع التاريخي!!.
ويرتبط بهذا الإستنتاج ما سبق كشفه وتفكيكه، وقد تنبهت الثقافات الخارجية (خارج المركزية الأوروبية) لعلاقته بالثقافة الامبريالية التي تدّعي جدارتها كثقافة تنسخ(ولا ترث) الثقافات الأخرى، وتجيز لنفسها بالقوة والوفرة الاقتصادية شرعية كونية لاستبدال النماذج وتعميمها، وبالتالي فالعالمية الراهنة تفتقر للمسوغات الأخلاقية والمنطقية، فلا هي هدف مشترك تسمح لغيرها بأن يدلي بدلوه الثقافي ولا هي شراكة مبدئية تتطلب تصورا مسبقا لمشروعها الذي يفترض مهام ومسؤوليات لانجازها، فالثقافات كالدول لا تسمح بتجاوزها من الاخرين، والتخلي عن ثوابتها الوطنية طوعا واختيارا في عالم تحدّه الهويات والمصالح والصراعات.
وأما القوة التي سوّغت العالمية ،فليس بها ما يبرر استمرارها وديمومتها المطلقة الا على المدى المنظور، نظرا لبوادر تململ وظهور محاور جيواستراتيجية قوية في العالم، هذا أولا، وثانيا:تفاقم الازمات البنيوية في الغرب الذي استفاد في السبعينيات من ترحيل تلك الازمات لدول العالم الثالث، فزاد من تبعيتها وتخلفها، واستثمر(الأزمة) ضد الاتحاد السوفييتي في استنزاف موارده لاعادة بناء العالم الثالث، ولولا صلابة القوة الامريكية لتحولت الازمة الى مأزق تاريخي لن تخرج منه المجتمعات الراسمالية الا بتغييرات جوهرية تمس بناها الثقافية، وتغير محتوى السلطة والملكية فيها، ولا يعني هذا قطعا نهجا رغائبيا في التحليل الذي يسقط ضرورات الواقع، ويحل مكانها امانيه لتقريبه تقريبا تعسفيا، ولا الإيحاء بالبديل الاشتراكي الجاهز، فالبدائل الاشتراكية كانت فقيرة ومقفرة، ولا تناسب واقعا عنيفا ومتنوعا في اوروبا الغربية الرأسماليه كما يقول سمير أمين (ما زال لها مستقبل لمرحلة تارخية طويلة).
وأعود الآن الى النقطة المركزية التي انطلقت منها بعد هذا الإستطراد الذي فرض نفسه، فأقول:لا يوجد قانون تحكميّ يفسر مغزى او أسباب التماثل ، فلا يقتصر التواصل على الثقافات ذات الاصول الواحدة، كما يفترض صاحب «صدام الحضارات» كتواصل تركيا ودول آسيا الوسطى السوفيتية ذات الأصول التركية، او الصين مع إقليمها الكنفوشي البوذي، فالمثالان لا يكفيان لاستقراء حقيقي وتعميم نتائجه لتفسير هذا الواقع الموضوعي الذي يزخر بالحركة، فلا يوجد من حيث المبدأ ما يمنع ثقافتين متباينتين من التواصل والإحتكاك وتبادل القيم، فالسجال الطويل في الحروب الصليبية فرض نوعا من التبادل بين العرب واوروبا، ولذلك فمعدل التبادل الثقافي يتناسب عكسيا مع مقدار التماثل، فالثقافات المتشابهة لا تتثاقف نوعيا، ما دامت متماثلة، والثقافات المختلفة تتبادل بضاعتها الثقافية بطرق مباشرة وغير مباشرة، إراديا ولا إراديا، ولا يشترط التبادل الوصول الى قواسم مشتركة، او التطابق ، او إبداع مركبات ثقافية، فلغي التنوع من أساسه فليس هذا الا يوتوبيا خالصة ، فاذا اكتشفت احدى الثقافات ان المثاقفة القائمة غير متوازنة، وتفتقر لشروطها الموضوعية؛ اي انها غزوا فكريا-وليس تبادلا معرفيا- يستهدف اختراق نواتها الصلبة في هويتها الحضارية، فستسنفر قواها ، وتنتفض ضد الثقافة الغازية، وتقوم بحركة تطهير وإصلاح لتأصيل ثقافتها الأصلية المكتفية ذاتيا ضد التماهي والذوبان بالآخر.
ومن جهة اخرى فلكل ثقافة طرائقها التركيبية، ووجهة نظرها الكلية، ولا مانع من ان تكون تلك الطرائق مجهدة ومكلفة لأصحابها ، ما دامت توفر لهم الأمن والحماية، وهم أقل استعدادا من غيرهم للتخلي عنها او استبدالها بقيم مجانية أخرى،لأنها من صميم وجودهم وهويتهم، وهذا ما ينطبق على بعض تقاليد المجتمع العربي التي لا يستطيع التخلي عنها، ما دامت توفر له الرضا والانسجام في عالم يتسم خارجيا بالتناقض والاضطراب بعكس عالمه الذي يبادله الولاء والإنتماء، وستبقى تلك التقاليد والقيم بمنأى عن التغيير رغم العقلانية والتعليم والتكنولوجيا التي رشّدت وأرشدت الإنسان لما هو صائب لاسباب أهمها الإزدواجية القائمة في كيانه الفكري التي تسترت بالتوفيقية ، وتحولت الى نهج يؤبد الاضداد والانفصال ما بين العقل والواقع تارة باسم الوسطية ، وتارة أخرى باسم العقلانية .
ولكن متى ندين او نثمن التنوع ؟ أي متى يستحق منا احكاما اخلاقية؟ فنقول في ذلك: يمكن ان يتحول التنوع الى مقبرة تلغي شخصية الكيان العام، وتعمل على تزوير مكوناته الإجتماعية المجهرية بتضخيمها، ويصبح التنوع تعدادا إضافيا لا أكثر.
ويمكن ان يتحول الى ميزة تثري الثقافة، وتجدد دمها بعيدا عن التكلس الحضاري بواسطة التقدم الاجتماعي(الرفاه) والسياسي )الديمقراطية وحقوق الإنسان) اذا اعترف به كمعطى موضوعي لا يمكن نفيه من الوجود،او تجاوزه بايديولوجيات شاملة كلية تلغي التناقض ولا تحله، وتختزل البدائل ولا توحدها.
وربما تعمل ثقافات التنوع على تحميل الجماعات المتباينة ما لا يحتمل من قيم التحرر والإختلاف والخصوصية التي تلغم العلاقات الإجتماعية،وتفجر المواطنة لمصلحة تنويعات هامشية فقدت قدرتها على التقدم والتأقلم،وأثبتت عجزها عن تعبئة المواطنين تحت شعارات كلية،فسقطت في الانعزال والرجعية في عالم يزداد مهابة ورحابة بالحقوق والديمقراطية، ويتقلص الى قرية صغيرة بثورة الاتصالات والتكنولوجيا الحديثة ؛أي في عالم العولمة الرأسمالية، فكثيرا ما أدى تملك وتحرك الطوائف والإثنيّات الذرية لإثبات وجودها وخصوصيتها (البائدة) الى إرباك المجتمع المدني والسياسي وتشويه المواطنة والهوية، ولم يكن حراكا اجتماعيا متسقا مع الحركة الاجتماعية الكلية او روح العصر.
وأخيرا ، ما الذي يجعل ثقافة أصيلة(كل الثقافات اصيلة وانسانية وعلى نفس المستوى من الأصالة ما دامت تعبر عن ذاتها) ان تكون قائدة ملهمة للثقافات الأخرى؟
أي الاعتراف بها وبجدارتها رغم التنوع والإختلاف عن غيرها الذي يفرغ المفاضلة من مضمونها؟
ان السبب الجوهري برأيي الشخصي هو امتلاكها لنواة ثقافية ذات طبيعة انفجارية؛ أي انها تنمو باضطراد وتشع تأثيراتها الحضارية والمدنية في جميع الاتجاهات، فتحقق الغلبة والتاثير على من سواها.
وفي أوج عطائها تزداد توسعا كالأمواج العاتية التي تكبر وتتسع باستمرار من نقطة مركزية تولّد تلك الطاقة، الى ان تصطدم بالحواجز الثقافية فإما ان ترتد وتتكسر اذا كانت أقوى منها، واما ان تمتص منها قوتها ،واما ان تخترق اختراقا، وتقوّض تماما وتتحول الى ثقافة مخترقة، التي امتصت قوتها وحولتها الى وسيط لنقل الثقافة الاصلية لمجتمعات اخرى، وتبقى هذه النواة فاعلة ومتفاعلة بنواتجها الجديدة غير المباشرة بما يشبه (التفاعل المتسلسل) كما يقول كلود ليفي شتراوس بشرط استمرار الزخم والديناميكية لإغناء التنوع بمحتوى تاريخي جديد يختلف نوعيا من حين الى آخر، ورفض تابيد اي محتوى ثقافي مهما كانت جدارته وأصالته الى ابعد من قدراته الذاتية على التجدد والبقاء، فلا يوجد محتوى ثقافي بقادر على اختراق الزمن التاريخي الذي أنتجه ورعاه إلا الفن الأصيل الذي يخترق الزمن ويدخل في الأبدية.
ثقافات العالم.. تعدد أم تنوع؟
12:00 17-6-2005
آخر تعديل :
الجمعة