التغيرات الحديثة التي عصفت بأركان الحياة البشرية والتغول المبرمج على خصوصيات الأفراد نتيجة التقدم التكنولوجي الهائل بتسارع يسابق الزمن والذي يبشرنا بالجديد على مدار الزمن ويرهبنا بما يخفي لنا، قد فرض لنا شكلاً مغايراً من التغيرات المرافقة على السلوكيات والاعتقادات بالتزامن مع محاصرة فكرية لمراكز الابداع التي حكمت السلوك البشري عبر مسيرته، مقدمة تسهيلات شكلت ضربا من الجنون وجزءا من الخيال بتاريخ التطور البشري قبل أن تصبح حقيقة ماثلة أمامنا؛ الأمور اصبحت سهلة والمعلومة متوفرة، ونحن نسير في قارب يفتقر لأدنى أساسيات الأمان برحلة شاقة طويلة مجهولة النهاية لمحطة عمرية بميناء يرسو فيه قارب الأماني معلقا بخيط الأحلام.
هناك محاكاة لأفكار الصعوبة والمستحيل بطريق قد يحمل الهلاك بعد سلسلة التسهيلات المقدمة بمجانية ظاهرية، صاحبها تغيرات سلوكية وبشرية ودولية برعاية سياسية، توجها الذكاء الاصطناعي الذي يبشر بمستقبل ظالم إن لم توضع القيود الدولية التي تحكم مساره بعد أن فقدت الإنسانية جزء من إرثها وتواصيها الدينية؛ المستقبل محاط بضبابية بعد خلط الحقيقة بالخيال ليجعل لغة الشك صاحبة الحضور والكلمة العليا، بل لغة التعامل في الحاضر لصعوبة التفريق بين الأصل والصورة، وربما هذا الجديد تطلب ويفرض تحركاً سريعاً من السلطات لوضع الخطط التنظيمية بعد الغرق ببحيرة الأوهام.
انتشار التطورات التكنولوجية وتسهيلاتها الظاهرية المجانية للأفراد، قد خلطت مفاهيم أساسية تنظيم حياة الفرد والأفراد داخل المجتمع والأسرة، بسبب سهولة الوصول للمعلومة واعادة صياغتها، بل تطور التشويش لحدود أبعد بعد اعتداء مبرمج على علاقات الأفراد بمؤسسات الدولة الرسمية والخاصة، باستخدام مصطلح سلاح الحرية الذي تعرض لتحورات أحرفته عن المسير على قضبان الحقيقة والتوقف بمحطاتها، فأصبحت الحرية سلاح تهديد وقتل لا يحتاج لترخيص اقتناء أو تدريب أو مزاولة، بل ضمن مساق الفوضى القاتلة التي وفرتها بمجانية مشكوك بدوافعها على صفحات التواصل الاجتماعي بشتى صورها، ليصبح اغتيال الشخصيات الوطنية مثلاً يأخذ بعدا وطنيا انتقاميا بمسلسل التعليقات السلبية وشهادات غيبية مزورة واشارات الإعجاب، ضمن مساحة المتنفس الممنوح بالمجان «وهو ليس كذلك» للكتابة بدون الالتزام بأساسيات الكتابة والتعبير بعد انصهار القيمة الأخلاقية للبعض فوق سطح الحرية الشائك، لافتقارها لمعايير الصدق والأمانة.
هناك أيضا شكل آخر من أشكال التمادي تحت نفس المقطع السلوكي بأقنعة وطنية حسب المعايير المستجدة للأشخاص، ليصنف هؤلاء عبر صفحاتهم حسب أجندة الاستبانة التي رسموها وهم على قناعة بالظلم الذي يمارس، لكن الإصرار على استخدام مفهوم الحرية بقالب متغير الحجم والقيمة، قولاً وفعلاً، يجعلهم يقفزون فوق حاجز العقلانية لسرداب الزمن، حتى تطوع البعض بالتضحية لتضخيم السلبيات بكافة أشكالها حتى العفوية منها؛ سياسة اشتق البعض معادلتها لتقنيات التعبير والحرية حتى لو تسبب الأمر بتعظيم المشاكل الإجتماعية والعائلية وتجفيف اسس العلاقات الأسرية لتصبح صحراءً برمال حقد متحركة وكثبان قاتلة، فيها لذة مغلفة بشرارة الأذية بفرض الخلافات الإجتماعية وتسهيل عومها على السطح، تحت مظلة الوطنية الزائفة والحرص المزور، ليتمادى هؤلاء بتشويه الصورة الوطنية الحقيقية لمختلف النشاطات وفرص الاستثمار، للحد من تأثيرها على التطور ومواكبة المنظومة الدولية.
التوالد العشوائي لربع الخبراء بشتى مجالات الاختصاص والمعرفة، والقدرة على الفتوى بعلم أو جهل، يمثل شرارة جديدة مستجدة، تحرق ثمار التفكير، وتحول بستان المعرفة لكرم مهجور، فتطور المعرفة لم يساهم بتثقيف هؤلاء أدعياء المعرفة، بل جعلهم يمارسون الخبرة والاختصاص بالقانون والاستثمار والصحة والهندسة والتنظيم، بالرغم من اخفاقهم المدرسي لفك الكلمات لحروفها الأساسية.
الحرية مصطلح غير خلافي، حلم يراود كل منا في موقعه وشأنه، ولا يجب استخدامه وتوظيفه بأنانية لأذية الآخرين، والجلوس مع الذات لمحاسبة فردية، يجعل تسهيلات الحياة بمنطاد رذاذ الأمل الذي يقودنا للغد، لأن حرية التعبير بين المثالية والتطبيق، تسببت بفرض القوانين الناظمة التي نحن بأمس الحاجة اليها لحماية المجتمع والوطن، مذكراً الجميع أن أغنى أغنياء العالم هم أصحاب الشركات العملاقة مالكة منصات التواصيل الإجتماعي المجانية؛ لغز يحتاج للتحليل والتفكير، فالتاريخ البشري يفتقر لخدمة مجانية وللحديث بقية.