كتاب

ما بعد قانون الجرائم الإلكترونية.. البحث عن الإيجابيات

كثيرا ما يحصل الخلط بين الأوراق حينما ننظر إليها من بعيد، ويبقى الاقتراب من تلك الأوراق وتصفحها جيّدًا، هو الحلّ الأمثل لترتيبها ووضع البرمجة المناسبة لها.

فحينما نعيش في مجتمع مليء بالتواصل لدرجة الذروة وتتبع أدقّ التفصيلات للواحد منا، لدرجة الانزعاج الحادّ، وما ظهرت في الآونة الأخيرة من مواقف جاءت بمردودات سلبية على أصحابها، مما أدّى إلى محو أسماء لامعة في فضاء العلم والإعلام والمجتمع.

وبالمثال يتضح المقال: صديق لي إعلاميّ، قام بانتقاد فكرة مجتمعية وظاهرة غير صحيّة كان تبنيها من قبل فئة من مجتمعنا، إلا أنّ تلك الفكرة قام الإعلاميّ بتسليط الضوء على تداعياتها المجتمعية وأنها لا تناسب الواقع الذي نعيشه، وخلخلت شيئا من المسار المجتمعيّ المتماسك كما أن لها أثرا على الأجيال.

يومها قام متبنّو تلك الفكرة بالانهيال على الإعلاميّ بحواليْ اثني عشرة ألف تعليق ما بين توبيخ وشتائم، أودت به طريحا للفراش مدة أسبوع كامل واستياء نفسيّ بالغ، مع أنّ الذي قاله رأي وبكلمتين، ولرأيه أتباع كثيرون.

من هنا.. نجد أننا في بلد يواجه كثيرا من التحديات، ومن تلك التحديات – بنظري- الإدمان المقيت على وسائل التواصل الاجتماعيّ، حتى تسبب ذلك الإدمان، بكثير من التعطيل للاقتصاد، فما بين سهر دؤوب واستيقاظ متأخر، ليس لشيء سوى أنّ التواصل الاجتماعيّ أصبح جزءًا من حياتنا، وقد نستغني عن وجبة الطعام ولا نستغني عن (النّت).

وما من شكّ من أنّ الراحة التي سمح البعضُ منا لنفسه أن يتوسّع بها على حساب راحة الآخرين وسمعتهم، متعددة الأشكال، ومن أساليب الراحة وأخذ التوسّع فيها، تلك التعليقات الساخرة في فلان وعلان، بصرف النظر عن الأسلوب ومدى قساوته، والكلمات ومدى تأثيرها النفسيّ على ذلك الإنسان، فبمجرّد اشتهار مقطع صوتي أو مرئي لأحدهم، وإذْ به يُلاكُ على ألسنة الناس دون رقيب ولا عتيد!!.

ويبدأ الضحيّة في البحث عن الطريقة لتبرئة نفسه من المستنقع الذي أوقعه الناسُ فيه، حتى وإن كان قد أخطأ خطأ ما، فالسَّتر مطلب دينيّ وإنسانيّ ومجتمعيّ، وأما الفضيحة فهي أصبحت في زماننا أمر مباح، دون الاعتبار لمسيرة الإنسان وأهل بيته وعشيرته، حتى إنه ليتمنّى الموت على أن لا يلقى ما يلقاه.

وخلال السنوات الماضية، طرأت العديد من الحوادث، التي قد لا يشعر بها المواطن العادي، سوى أنّ أصحابَ القرار من القضاة والقانونيين التمسوا ضرورة وقف التجنّي على الشخص – أيًّا كان ذلك الشخص- في واحدة من الأساليب التلقائية لمنع التعدّي على خصوصيات الآخرين بدعوى: حرّيّة التعبير من خلال التواصل الاجتماعيّ، إلا أنّ اغتيال الشخصيّة ليس حرّية، وهي –الحرية- التي تنتهي عندما تبدأ حرّيّة الآخرين.

ومع التعايش مع قانون الجرائم الإلكترونية، ستصل قناعات الكثيرين منا، إلى أنّ الحفاظ على كينونة الشخص العادي الذي لم يكن يتجرّأ على الشكوى ضدّ من يتهجم عليه عبر وسائل التواصل، مما يجعلنا جميعا في حماية القانون، ضمن العديد من الإيجابيات التي يمكن معرفتها من خلال النظر بإنصاف إلى الحقائق، والتأنّي في التعبير والقول، والتثبت منه قبل إطلاقه على عواهنه.

agaweed1966@gmail.com