كتاب

بسام إبراهيم النمري

فجعنا اليوم بخبر رحيل الصديق والقريب بسام النمري، رئيس بلدية الحصن الأسبق، الذي لم تفارق ابتسامته محياه منذ عرفته حتى بمحطات مرضه الشديدة، ليحتضن تراب مدينة الحصن جثمان أحد رجالاته الأوفياء الذي تركوا بصمات بصنعهم وأخلاقهم، جسّد لنا مثالية نتعلم منها أبجديات التواضع والحكمة، فيها دروس المحبة والشكر على المعروف، بمسيرة حياة مثالية أعرفها بحكم الجيرة والاختلاط شبه اليومي، ليصبح مثلا للإقتداء بنجاحاته وأفعاله منذ بدأ حياته العملية موظفا حكوميا'مساحا' بدائرة الأراضي، التي تعلم منها وعلمنا الدقة بتحديد الاحداثي?ت حتى في العلاقات الاجتماعية، وربما كانت السنوات الأخيرة فرصة للتعامل معه مرات ومرات عندما يتطلب الأمر مراجعة لطبيب في مستشفى الجامعة، فكان شكورا للفريق الطبي المعالج، مقدرا الجهود التي تبذل، مطيعا بالدرجة المطلقة، يبحث عن الشفاء ولا يلتفت إلى فاصل الخدمات وصغائر الأمور، في كل مرة يبدأها باتصال هاتفي، ويودعني بكلمات شكر لطيفة حفرت أيقونة خالدة في ضميري.

ليس هناك أشد قسوة وألماً من وقع انفجار على مسمع الانسان المخلص أكثر تأثيرا من فقد صديق وعزيز بحجم بسام النمري، الذي يعتبر أنموذجا آخر من نماذج الرجال المكافحين والمحاربين لبراكين الزمن، والثقة الممزوجة بنسيج المحبة بين أهل الحصن لهذا الانسان المتواضع الكبير، جعلته الرقم الصعب عندما ترشح لانتخابات رئاسة بلدية الحصن في منتصف تسعينات القرن الماضي، بالرغم من التحديات والمنافسات والانقاسمات التي تعصف بالتحالفات بدافع غريزة الأنانية التي تصهر الثقة وتبخرها، بل تتنازل عنها بمزاد رخيص مقابل وعود تسجل لغايات التوث?ق بضمير الزمن، فكان المرحوم باجماع أهلا لثقة أبناء الحصن الذين يعرفون بدقة اختيارهم، فمنحوه ثقة وتفويضا للنهوض بهذه المدينة الواعدة، صاحبة المجد والتاريخ والحضارة، الكريمة بعطاء أبنائها، حيث تجد في كل حارة أو منطقة فيها لمسة سحرية لهذا الرجل الفاضل، ولكن العزاء لنا جميعا، بأن الموت حق لا يمكن الاعتراض عليه، ونحن جميعا على هذا الدرب نسير، كل بتوقيت رباني، فقد كان الفقيد مشاركا الجميع بأفراحهم وأحزانهم، ليسجل اليوم بوفاته بأنه فقيد الجميع بدون استثناء.

الصديق الوفي أبو واكد: أعلم جيدا أنك لن تسمعني بعد أن سكنت التراب، وأدرك جيداً أن الكلام عاجز عن الوفاء، وسوف نعيش على ذكريات نصنفها بالجميلة لسحر أثرها على المسيرة، وها أنا اليوم بعد رحيلك أدرك بقناعة بأنه لن أسمع أجراس الموت تدق في شفتيك بعد اليوم، فمنذ سكنت القبر تحت التراب وقفت كذاكرة تقف على شفير النسيان، وسأذكر وأعلم جيدا حقيقة؛ ستمنحكَ أفواه المتملّقين الواقفين على أرجلِ الخطيئةِ في أرضٍ انطلت عليها خُدعةِ الحياة المُقحلةِ نياشين السّلام، والمحبةِ، والصدقِ، والطّهرِ، والوفاء، سيقولون: عظيمٌ اغتالهُ ?لموت، الذِكر يبقى زماناً بعد صاحِبه، وصاحبَ الذِكرِ تحت الأرضِ مدفون. مات أبو واكد وسَيموتُ غَيرهُ الكثيرون، وسَنَموت نحنُ عن قريبٍ أو بعيد، وننزِل منازِل كما نزلت، ليس هُناك أشد قسوةً وألماً على الشخص أكثرُ مِن أن يسمع نبأ وفاةِ صديقٍ كان أقربُ مِن أخٍ له، خاصةً إذا ما كان الصديق وفياً صادقَ الوعدِ لهذهِ الصداقة لآخر لحظة قبل أن يخطفه الموت، على الرغم من أن الموت حقٌ على كل إنسان، إلا أنّهُ الأقسى والأصعب والأفجَع على النفسِ وغير مرحب به بأي وقت أو ظرف، ولا يبقى لنا سوى تذكُر الذكريات التي كانت تجمعنا.

رحل أبو واكد بصمت بعد صراع مع المرض، كان الأقوى في معظم جولاته، ولكن الارادة الربانية كانت لها القول والفصل، ليرحل بسلام للدار الآخرة، فمن التراب ولدنا والى التراب نعود؛ دموع صامتة خرجت بحرقة تحمل مشاعر الحزن والأسى من أهلك واصدقائك ومحبيك وهم يودعونك إلى مثواك الاخير، شريط ذكريات اختزلت سنوات طويلة من الذكريات القريبة والبعيدة، رحلت عن دنيانا تاركا لنا طيب عملك وحسن سيرتك، ونقاء سريرتك، واجمل ذكريات الصداقة والاخوة التي ربطتنا، تلقيت نبأ وفاتك المفجع الذي هزَ القَلب بمشاعر مرهفة لم اقوَ على تحملها، والآن ?حن لا نملك يا صديقي الراحل في كل الاحوال الا الدعاء والتضرع إلى الله ان يتغمد برحمته فقيدنا العزيز أبو واكد مع الملائكة والقديسين، فهو الملاذ والمخرج الوحيد من حالة الحزن والاسىى بكل هذه المشاعر الفياضة. هذا الصباح مـرٌ في فمي، تتدحرج الذكرى بين زوايا العتمة وخواطر البوح وتباريح السفر، لا الدمع يكفكف الآم الرحيل ولا الوجع الضارب في أعماق النفس يخفف لوعة الفقد، فللموت جلال أيها الراحلون، هذا الصباح مـرٌ في فمي، كل ما حولي يوحي بالذبول، حتى الكلمات تتحشرج فأستعيدها من قاع التردد لتبقى على خيط الحياة المدود، ?للحديث بقية.