هناك إجماع وطني على أن مفتاح الإصلاح السياسي والاقتصادي والإداري، يتمركز حول الشخصية المناسبة لتولي المسؤولية في مؤسسات الدولة المختلفة؛ العامة منها والخاصة التي تؤثر بتوجهات الأفراد، وتمنح هامشا للتطوير ضمن مساحة التغيير المطلوب للابتعاد عن الروتين بالأداء والنتيجة، بل لفرض بصمات قد تكون مرجعا ايجابياً يمجد صاحب الانجاز، وربما هناك استياء بحصر المراكز القيادية بطريقتها التقليدية التي تتغلف بظاهرها بالشفافية، لكنها بالواقع بعيدة عنها بمسافات يصعب تحديدها أو اختصارها، ويُقتصر واقعها على الطريقة الوراثية الم?اشرة وغير المباشرة ضمن مساحة تسمح لفئة محددة بدخول مرافقها بهدف التجديد أو لاستخدامها كبينة دفاعية بعد استنزاف درجات العطاء، التي جعلت من البعض الولوج للتفكير بضرورة تغيير الأولويات، فالمؤسف أن هذه السياسة قد ولدت الاحباط لفئة الاجتهاد التي تدور بفلك المسؤولية ويمنع عليها الإقتراب من حدودها التي تصهر حتى أحلامها، وخشية عقوبة أو تهمة تفصل بيناتها بما يكفل تلقين الظنين وأقرانه دروسا وعبراً، بل وسمحت لغير المستحقين بعضوية أنديتها وجمعياتها لإعتبارات نعلمها جميعا، ولكننا نخشى الإفصاح عنها بعد أن ارتدينا ثوب ال?أس في بعض مراحلنا العمرية.
يقترن هذا الإجماع مع حقيقة مؤسفة ساعدت بترهل واضح وضعف ملحوظ بمنتجات المؤسسات، وتتمثل بحرص المسؤول من نسج شباك حوله من الأقارب والمعارف والأصدقاء، الذين يجدون بقوله وفعله وطريقة تفكيره، المثالية والصواب، يصفقون له خوفا أو مصلحة بأنانية، لتشكل منه شخصية بهلوانية تعتقد بقدرتها على استنباط أحداث المستقبل بطريقة العرافين، وتساهم بدرجة مؤثرة، بإبعاد النخبة المنتجة من مركز صنع القرار للمؤسسة أو الدائرة أو الشركة، لأن المسؤول غير الواثق، يخشى مناقشة أصحاب الخبرة والمعرفة، فيبعدهم عن مجالسه وقراراته، ويعتمد على ال?صفقين الذين يحفرون خنادق الوأد، لتكون النتائج متواضعة؛ عظيمة بنظرهم، ولكنها فاشلة بنظر الأغلبية التي ترى الصحيح وتعرفه، وربما الحكمة، أن يضمن المسؤول لمستقبله عبر حاشيته، شكلا من الوقار بقالب الفشل، فدرجة الوعي اليوم قد اختلفت، وحرية التفكير والتعبير، قادرة للوصول لمختلف مستويات الإدارة، والإعلان عن تحقيق نجاحات وهمية، أصبح مادة تقبع في أسفل هوامش المتاحف للإنجاز.
الحكمة التي خلدها الفيلسوف بيكولو مكيافيلي بأن «أول طريقة لتقييم ذكاء القائد هي أن تنظر إلى الرجال المحيطين به» تختصر العنوان والمحتوى وترسم حروف الرسالة بسيمفونية ولحن فيروزي صباحي، لمن يتذوق ويدرك قيمة التناغم بين أفراد الأوركسترا، فهناك فرق كبير وشاسع بين المزيكاتي الذي يصدر القرار والصوت واللحن ويتصدر الفرقة، من لابسي المزيكا، الذين يرتدون ثوب الكومبارس بدون إبداء رأي، فدورهم ان ينفخوا او يتظاهروا بالنفخ، حتى انتفخوا وعليهم واجب محق بأن يتظاهروا بالعزف على الآلات الموسيقية دون ان يخرجوا أصواتا، حيث ارت?وا بطيب خاطر أن يكونوا سجادا لأقدام المسؤولين، أو فاصل ألعاب نارية تحترق بالثواني وتنتهي.
هناك لغز تتمتع أركانه بالسرية لطريقة اختيار المراكز القيادية على مستوى الوطن والمؤسسات، بالرغم من التشابه الكبير في التبريرات، فالمؤسف المبكي، أن صاحب القرار يصنف المجتهدين، بأنهم أصحاب أجندة خاصة، تهدف لوقف المسيرة، ويرى بباطن حاشيته، كل المثاليات المفقودة، وهو واقع مؤلم، بل ومرض مزمن، يحتاج لعلاج بعد دقة التشخيص، بل وربما يحاول بطريقة أو أخرى استميال أحد هؤلاء، ليجعل منه أنموذجا ومثالا للدفاع عن هفوات وأخطاء قاتلة، حيث هناك من يتبرع ويتطوع لهذا الدور الثانوي، إرضاء لرغبات أو اعتبارات كمقدمة لفتح طريق الف?ص أو الثغرات التي يراها من خلال خرم ابرة لا تدخل شمسا أو عتمة ليل، لنرى نفس المسؤول يقاتل بحرية التعبير عن الفساد بعد انتهاء مرحلته لسبب أو لآخر؛ المسؤول الناجح، هو القادر على الجمع المتكامل للثقة والأداء، دون التخندق وراء إنجازات وهمية، لم تعد تنطلي على أحد، ويقيني، أن المؤسسة التي يرى غالبية أفرادها فشلا بأداء رئيسها وحاشيته، تحتاج لمراجعة سريعة لسياساتها التي أوصلتها لهذا المستوى من رضى العاملين، فالمدير الناجح، يستخدم الحزم بعدالة، وبعيدا عن تحديات الأقران؛ القائد الذكي يمتلك الحقيقة والصواب، لديه رؤية?تترجم بالفعل اليوم، فمن يؤجل الاجتهاد للمستقبل، سيكون الضحية؛ اليوم هو المستقبل، وللتأكيد، القائد الذكي يناور بين الحقيقة والصواب وللحديث بقبة.