كتاب

حــــســـــام

حسام، مواطن أردني، شهمٌ، نبيل، كريم النفس معطاء ولكن ليس بالمال الذي لا يملك منه أساسًا إلا ما يقيمُ به أود عائلته ويسد من خلاله القليل من الكثير من احتياجاتهم، وإنما يتجسد عطاء هذا الإنسان بطيب حديثه التلقائي والعفوي النابع من قلبه ونقاء سريرته، واستعداده الفطري لمد يد العون والمساعدة حتى وإن كان بإسراعه لمناولة فلان شربة ماء كأضعف الإيمان، وحين تُبحر في أعماق نفس هذا الشاب تجده يملك الكثير من مقوّمات الثقافة والمعرفة بالأمور العامة السياسية منها والاجتماعية والتي تعلّمها في مدرسة الحياة بعدما «ضنّت» عليه?مقاعد الدراسة في المدارس لينال قسطًا من التعليم لكنه حظي بما لم يحظ به الكثيرون، ويكفيه من الفخر أن حديثه شيّق وممتع ومشجّع على الاستماع إليه بلا ضجر أو ملل أو رغبة من السامع في الانتهاء من الكلام كالحال عندما نسمع لأحدهم فيشبعنا تنظيرًا وادّعاءً بفهم وخبرة ودراية، وهو منها بُراء.

حسام الذي مضى على معرفتي به أكثر من ثلاثة عقود منذ التقينا في رحاب أول مدرسة ابتدائية ونحن نشدُّ الخطى نحو آفاق مستقبل واعد، يعملُ عاملًا على نظام المكافأة أو المياومة في جامعة اليرموك، أو لنقل أنه «عامل وطن» يسعى إلى لقمة العيش بكدٍّ وتعبٍ لئلا يقرب السحت أو يأكل المال الحرام، وحين رأيته عقب سنوات من الغياب فرحت لمرآه وعانقته وهو رغم ضرامة الظروف التي كابدها في حياته إلا أنها لم تتمكن من ابتسامته التي كانت منه على الدوام علامة فارقة تميز بها عن سواه وأنا واحد منهم ممن كنا زملاء في الصفوف الأولى من التعليم?الأساسي، وعندها رحت أقول في نفسي: للهِ درّك! وأنّى لنا بالقليل من مساحات الفرح التي تحملها بين جنباتك يا حسام، وأنت بحسابات الحياة وتعقيداتها لا تملك إلا اليسير لكنك أوكلت الأمر كله وأودعته بيد صاحب الأمر، فكفاك اللهُ سؤال الناس ورحتَ تعملُ بهمّة وعزيمة مضاء ولم تعرف التراخي يومًا ولم تُسلمْ راية الأمل بل إنها ظلت خفّاقة فوق جبينك الأردني النقي وما زالت ترفرف وتعانق السماء بما عرفته عنك من كبرياء وشهامة وإكبار.

قبل عدة أيام أكرمني حسام بزيارة إلى مكتبي في جامعة اليرموك وتناولنا القهوة سوية ومن صُنعِ يديه الكريمتين، وحدّثني ببعض شأنه وببعضٍ آخر من شؤون الوطن، فحمدت الله أن في الأردن أمثاله، فكان مما يلفت أنه وبين الحين والحين كان يرفع كفّيه ويدعو الله بقلبه الطيب أن يطيل عُمر جلالة الملك وأن يحفظ الأردن من كل مكروه، ثم كان يُردف بحديثه العفوي ويستعرض سنوات حكم جلالته، فيقول «يا زلمه الحمد لله إن الأردن بخير وشوف كيف الملك عبدالله من بلد لبلد علشان نظل عايشين بخير وسلام».

عندئذ وليست هذه المرة الأولى التي يستحوذ الوطن وقائده على كلام صديقي حسام، حمدت الله ثانية إن بيننا من يؤمن حقا بهذا الوطن بلا رياء أو مجاملة أو مصلحة يسعى من خلال انتمائه إلى تحقيقها، فخلصت إلى نتيجة مفادها طالما كان عامل الوطن الشهم «حسام» موجود فإن الأمل باق وإن الأردن بخير بأهله وناسه الطيبين الشرفاء الذين لم يفهموا معنى الولاء بمقدار ما يحققه أحدهم من مغانم أو مكاسب، وإنما هو بقدر ما يكافح الإنسان ويعمل ليرفع شأن وطنه ومكانته ويضاعف المكتسبات في كل مكان منه، ولعمري إن أمثال «حسام» هم الفائزون.

Ahmad.h@yu.edu.jo