يشكل هاجس الأمن الغذائي الأردني واحداً من التحديات الحياتية التي تستنزف جزءا يسيرا من التفكير والإنفاق، باعتباره الجزء المكمل لأساسيات المنظومة المعيشية بحدها الأدنى للاستمرارية، وهي محتوى الملف الحاضر دائما على الأجندات الوطنية كقاسم مشترك يؤثر بشرائح المجتمع بدرجات متفاوتة، فالظروف الحياتية بواقعها صعبة ومؤلمة على الجميع، يصعب علينا تصنيفها أو إعادة برمجتها، وهناك تضخم مستورد بدرجة معينة وأحد أسبابها ارتفاع الأسعار العالمية من بلدان المنشأ والتصدير، مرورا بطقوس الشحن والتأمين والنقل، نتيجة الخلط المبهم ل?أوضاع الدولية، ممزوج بأنانية البعض لحفر روافد القنوات الغذائية للسيطرة الفردية، تمهيدا لتحكم غير منطقي بالأسعار والتسويق، بعد انتهاء صلاحية شروط الإلتزام بأخلاقيات الأداء الوطني، فالأردن هو جزء من هذا العالم، يتأثر بأحداثه ويؤثر بمساره، خصوصا لظروفنا الإقتصادية الصعبة، والأعباء التي ننفذها كدولة محورية تمثل الرقم الصعب في المنطقة، بإعتبارها أحد محاور دول القرار؛ نتيجة منطقية لسياسة الإعتدال التي تتجرد من العنف والأنانية، يصعب علينا تحديد جدولة هذه التحديات أو برمجة أهميتها، لكن المنطق يفرض لملفات الأمن الغ?ائي والزراعي والبيئة، المياه والطاقة والإدارة، يغلفها سياج واستقرار الأمن والأمان الذي ننعم به، وهي أولوية كوحدة واحدة غير قابلة للتجزئة، ويقيني أن جميعنا على علم وإطلاع على محتوى هذه الملفات الوطنية، التي تتطلب مساهمة فردية من كل منا للنهوض بها؛ واقع يجعلنا نتحرر من التفكير السائد، أن هذه الأساسيات هي مهمة حصرية بالدولة يجب توفيرها مجانا بشعارات ومبررات وأعذار، انتهت صلاحيتها، وأصبحت أمانة في متحف التاريخ.
يعتبر الأمن الغذائي العالمي أحد ضمانات استمرارية البشرية بصورته التكاملية بين الدول المنتجة والمصدرة والمستوردة والمستهلكة؛ ويمكننا القول أنها قاعدة شاملة لا تستثني أي منطقة أو مساحة جغرافية فجميع الدول بدون استثناء مصدرة ومنتجة كجزء من تكوين معطيات المعادلة الغذائية الدولية، وقد تحول الأمن الغذائي بمكوناته وعناوينه اليوم لواحد من أسلحة الحروب التي تستخدم بهدف تحقيق المصالح بعد حصار محكم لسلاسل التزويد التي تحجب وتمنع وتساهم بارتفاع الأسعار كنتيجة منطقية لمبدأ التجارة الذي يستخدم لغة العرض والطلب بهامش الم?وفر لتحقيق مسار التسويق، واقع يساهم بصنع المجاعة والذل نتيجة الحرمان ويقود لتعدد فنون الجريمة بمستوياتها، ويمكنني التذكير أن الوجه الآخر للتهديد الكوني يتمثل بتناقص مصادر المياة التي هي مطلب تكميلي للغذاء بشتى صوره.
لتنشيط الذاكرة والقفز عن حاجز النسيان، فقد حرص الأردن على التذكير بأهمية تكامل الأمن الغذائي المحلي والعربي على مستوى المنطقة على الأقل، فكانت هناك دعوات للتعاون بين البلدان بهدف ضمان انسيابية التزويد، فالأرض خصبة وكريمة بعطائها كثمار جهود للعناية بها والمحافظة عليها بعيدا عن تلوثها بصخور البناء والحجارة وتحويلها لكنتونات سكنية ذات أبعاد تجارية، وبدراسة طبوغرافية مسحية لواقع التكوين التربي، سنجد أنها التربة المثالية التي تجعل من المنطقة سلة غنية بانتاج مختلف مشتقات أنواع الغذاء، خصوصا أن الحروب المشتعلة في?بقاع العالم جعلت الأمن الغذائي رهينة وأداة للمقايضة بهدف السيطرة على الثروات والقرارات والممرات، التي تتوازى مع الارتفاع بالأسعار وزيادة مستوى التضخم مع تذبذب بالقوة الشرائية للعملات، فهناك بوادر حرب اقتصادية ومالية جديدة على الأبواب بمنافسة شرسة متوقعة من العملة المنافسة الجديدة التي تعرف بتكتل برانكس؛ قوة اقتصادية ومالية جديدة ستفرض وجودها مع تنامي عضويتها؛ بصريح العبارة هناك غموض بمستقبل البشرية وأسس التحافات والتي توجب الحذر بالمحافظة على الذات.
السمعة الطيبة للأردن والبيئة الاستثمارية الواعدة بالقوانين والتشريعات، وأرضه الخصبة ذات المواصفات التي تمنحه صفة اعتباره واعتماده سلة غذائية متكاملة، جعلت الدول والمؤسسات سخية بالمنح بشروط ميسرة، لكن هذه المنح معطلة بسبب البيروقراطية المصطنعة التي تعطل المسيرة وتمنع انسيابيتها، وربما تعدد المرجعيات والاجتهادات وانتقائية التطبيقات، قد أضافت مكابح إضافية للموافقات، وجعلت توقيع بعض المسؤولين على القرارات مغامرة، فجعلتها تسير ببطء شديد أو توقف إجباري أو فرض شروط على المؤسسات والدول المانحة تجنبا لشكوك بالتنفيذ? يغلق علينا صنبور التغذية والمساعدة، متناسين عفويا أو بقصد، أن هذه المشاريع ستوفر الالاف الشواغر وفرص العمل التي من شأنها حلحلة الاحتقان الشعبي، باعتبار البطالة واحدة من التحديات الكبيرة التي تتطلب التذليل والحلول، وربما هي فرصة جديدة متجددة بظروف فرضها الواقع المحلي والإقليمي والعالمي، لإمتحان القدرة والكفاءة بالاعتماد على الذات لمعالجة التحديات بشتى فروعها ومسمياتها؛ الإقتصادية والسياسية والمعيشية، التي تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على منعطفات التشكيلات الحياتية للفرد والعائلة، فتوفر بيئة انسجام مجتمعية ?تغذى بأصالة وطيبة هذا الشعب العربي الذي من أبسط حقوقه توفير أسس الحياة الكريمة، وبعكس ذلك، سيكون هناك غيوم شك وظلال ريبة على جميع الخطوات التي تتبناها الدولة، لأن الفقر والبطالة وما يتفرع عنهما، هما الأب الشرعي للعنف والانحراف والادمان واتساع رقعة الجريمة وتبني الأفكار الهدامة التي من شأنها تعقيد المسيرة المستقبلية بسبب الحاجة الماسة لإعادة التأهيل في زمن لا يرحم ولا ينتظر الكسول.
هناك متابعة حثيثة ومتواصلة من رأس الدولة لملف الأمن الغذائي بعد سلسلة من التغريدات والتحذيرات التي أطلقها، حيث نلمس حرصا بحضور الاجتماعات لمتابعة المنجز، فالظروف الصعبة والتضخم الذي نعاني منه واقع لن ننكرره، ويصنف بمساحة المنطق كجزء من هذا العالم نتيجة الأنانية التي سيطرت على صانعي القرار الدولي، نعتمد بمساحة كبيرة من حياتنا على المستوردات بعد هجرة طوعية ببعض مفاصلها من درجات الإكتفاء الذاتي، وهو مستورد نتيجة ارتفاع الأسعار لجميع مدخلات الانتاج والاستهلاك، فالبركان الغذائي الممزوج ببركان الطاقة والمياة، وا?ذي خلط أصناف السلع العالمية من دولها المصدرة، نثر غباره المؤثر بجميع بقاع العالم، بالتوازي مع ارتفاع أجور النقل والشحن والتأمين بمنطق الجشع والمغامرة، وهي ظروف ساهمت بهذا التضخم العالمي، نتيجة ارتفاع رقعة الحروب، وأسهم إنعدام العدالة التي تمزق الأوصال، وتصنع الكراهية، دون إدراك بأن للعمر حدود، ويكفي أن نتذكر أن الأردن بلد زراعي، يحتل مركز القلب في منطقة الشرق الأوسط، تضاريسه الطبيعية تمنحه ميزة فريدة بجعله سلة الغذاء للمنطقة، ويحتاج منا لمزيد من الجهد بتحويل الشعارات لعمل جماعي جدي، فركوب قطار عالم التواصل?الإجتماعي بمختلف فروعه ومستجداته في طبقاته السطحية، قد أحرف البوصلة عن الطريق الصحيح، نتيجة التوالد غير المنطقي للمحللين والخبراء في كل المجالات، تحت فاصل حرية الرأي والتفكير، على أن ندرك بواقع جديد متجدد لمواصلة السير في نهج الإصلاح السياسي والاقتصادي والتعليمي والغذائي والمائي الذي أصبح اليوم ضرورة حتمية، بل هو القاعدة الأساس للمستقبل وللحديث بقية.