المكان.. فتنة أسعد الأسعد فـي «غياب» - فراس عبيد

المكان.. فتنة أسعد الأسعد فـي «غياب» - فراس عبيد

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 17-6-2005
No Image
المكان.. فتنة أسعد الأسعد فـي «غياب» - فراس عبيد

 ملَخَّص ممكن
الصحفية الفلسطينية ليلى ابنة مدينة رام الله، تتجه إلى مخيم جنين مباشرة بعد المذبحة، لتصور ولتكتب تقاريرها، يهولها ما ترى من فظائع، تتعرف في المخيم إلى شاب بريطاني (وليم) وصل المخيم للمساعدة في إغاثة المنكوبين، يعود الاثنان برفقة طاقم إغاثة في سيارة خاصة بهم من مخيم جنين إلى رام الله، وفي تلك الأثناء يعيشون رحلة عذاب ورعب، يصلون رام الله ليجدوا المدينة مجتاحة ومحاصرة، ينتهزون فرصة رفع حظر التجول ليعود كل إلى منزله أو مكتبه. يبدأ عمل ليلى ووليم في رام الله التي تحولت إلى ساحة حرب، تقع أحداث مثيرة أثناء ذلك، ثم يمرض والد ليلى مرضا خطيراً فتلازمه ليلى حتى يشفى، يصاب وليم برصاص إسرائيلي إصابة خطيرة فيرقد في المستشفى، تفاجأ ليلى بإصابة وليم وتتحرك مشاعرهما في دائرة الحب، لكنهما يعجزان عن تحويل حبهما إلى مشروع زواج، لأسباب اجتماعية ثقافية.
«غياب» (رواية)، 92 صفحة، ط1، دار الماجد، رام الله، .2005   
المكان .. فتنة «غياب»
لا تبدو فتنة هذه الرواية في قصتها، بقدر ما تبدو في مكانها؛ ذلك أن الدهشة الحقيقية فيها هي في المكان (فلسطين) .. لا في الأحداث أو الشخصيات أو الأُسلوب اللغوي .. وعليه، لن تنجح مقاربة البنية الدلالية فيها إلا بعبور المكان، في المتخيَّل الروائي، عبوراً تاما وكاملاً!
المكان .. الذي كَشَف عن وجوده في هذه الرواية هو فلسطين بأبعادها المختلفة: الجغرافية، الطبيعية، الإنسانية، والتاريخية .. ليبدو الشخصية المحورية فيها، وليبدو مكمن البنية الدلالية الكلية أيضاً.
احتضن المكان في «غياب» كلَّ ما على أرض فلسطين من بشر وحجر وشجر وهواء، وحيوان وطير .. وهو باحتضانه الرَّحب ذاك، إنما يحتضن تاريخاً طويلاً، وصراعاً دامياً، وثقافات مختلفة - هكذا انشحذ الصراع في النص أيما انشحاذ، وانشطر القارئ مع الثنائية الدامية على الأرض الساحرة (فلسطين)؛ فقد وَلّدَ المكان باعتباره المكَوِّن المتصدِّر في هذا المتخيل الروائي، قوة تناقضية ضمنية بين عنصريه الدائم والزائل، التاريخي والطارئ، الحقي والاغتصابي، الطبيعي والمصطنع .. فأشعل لهيب الفكر واللذة على شاشة القارئ العقلية! لنتبع ملامح ارتسام المكان في هذا العمل ...
المكان الدامي
«مسحت عينيها، كأنما تتأكد مما ترى، كان المشهد يشبه واحدا من مشاهد الدمار الذي لحق بالعديد من مدن أوروبا في الحرب العالمية الثانية، أو لعل زلزالا أصاب المخيم، فتطايرت لبناته الإسمنتية في كل اتجاه. كان الغبار يتطاير من كل ناحية، فيما الدخان يتصاعد من بعض الدمار، جالت ليلى ببصرها، كأنها تبحث عن نقطة تنطلق منها، وتبدأ عملها، أَخرجت آلة التصوير من حقيبتها وتقدمت بحذر شديد، بحثا عن طريق تسلكها وسط الوحول وبرك الماء التي انتشرت في المكان، بعضها بفعل المطر وبعضها الآخر بفعل أنابيب المياه التي مزقتها القذائف والردم التي تساقطت فلم يتبق ماسورة أو عمود كهرباء، تقدمت بضع خطوات وقد أدركت أن القصف قطع الكهرباء والماء ... فجأة ألقت بآلة التصوير وركضت نحو أصابع خيل لها أنها تتحرك وتحاول رفع حائط اسمنتي غَيَّبَ جسدا جثم على صاحبه فلم يستطع حراكا .. أمسكت بالأصابع .. وراحت ترفع الردم من حوله، تصببت عرقا، وهي تجهد محاولة رفع الكتلة الضخمة عن جسده ... مدت يدها إلى رقبته .. إنه ميت، ميت. (عجوز تجاوز السبعين).«ص 6،5»
مذبحة مخيم جنين .. التي اختارها المؤلف لتكون أول مكان في روايته، ليست حلقة تاريخية أخرى للقضية الفلسطينية العربية أوائل القرن الواحد والعشرين، بل هي نموذج تاريخي في تخطيط العولمة للمكان على بقعة من بقاع العالم؛ وهو (نموذج دالّ) على هذا النحو: أكبر قوة فاعلة في النظام العالمي المعاصر تُشَرِّع إبادة بشر عن بكرة أبيهم، بأحدث آلة إبادة للإنسان ـ هي أنتجتها، في مواجهة لا منصفة ولا منطقية، يتكفل بها جيش الدولة النووية الإسرائيلية، وأمام ذلك، يقف إنسان المكان الذي اجتاحته العولمة الغربية بذراع إسرائيلية، رافضاً الهزيمة أو حتى الانكسار.. مشهراً هويته التاريخية والثقافية! فهذا (خليل) .. الذي نجا بأعجوبة وعائلته من مذبحة مخيم جنين ويقيم الآن في خيمة قرب المخيم المُسَوّى بالأرض يتحاور وليلى:
«- وهل تعرف الطنطورة؟
- أنا ولدت هنا في المخيم .. لكنني من الطنطورة .. ذهبت إلى أطلالها .. إلى ما تبقى منها .. حتى لو كان لوح صبار.. سأحدث أولادي عن الطنطورة .. وعن الحكايات التي حدثني بها جدهم .. وحفظتها عن ظهر قلب .. نحن من هناك .. جيلا بعد جيل .. ولا يعنينا أي اتفاق سياسي لا يعيدنا إليها ..
- بعد كل هذا الدمار لا تزال تحلم بالطنطورة.
- ولن أتوقف عن الحلم .. وسأعلم أبنائي أن يحلموه من بعدي .. لا بد أن يتواصل الحلم مهما حدث.
- ألا تحلم بأن يكون لك بيت جديد في مخيم جنين أولا ..؟
- أنا لست حالما .. أنا صاحب قضية .. وأؤمن بها إيمانا راسخا.
- قضيتك مضى عليها خمسة وخمسون عاما ..
- الحق لا يسقط بالتقادم.
كانت أصوات قنابل الإضاءَة تقطع حبل حديثهما فتحيل ليل المخيم إلى نهار «ص.14»
 إنَّ فعل المحي من الوجود، الذي أُسْنِدَ إلى الآلة العسكرية للعولمة، ناطحه أعلى فعل مقاومة بشري، استند، هو الآخر، إلى.. إرادة الانتصار!
اتكاءً على ما سبق .. يكون مشهد المخيم الممحي من الوجود مرآة لمشهد آخر قائم فيه
بالقوة-التي نفذتها إرادة المقاومين، فتساوى المشهدان (الفعلان).
بذلك الصراع الدموي الذي لا يرحم، وبتلك الإرادة الصراعية لأصحاب المكان، وللدخلاء عليه، نصبتْ (غياب) خيمة المتخيل الصراعي حادّاً، مأساويا .. على بقعة اسمها المكان، فأضحى (المكان) هو البنية الفنية التي تضطرب فيها عناصر التخييل الروائي جميعها ( الشخصيات، الأحداث، الصراع، الزمان، النسيج اللغوي، ..( فيصهر المكان ـ المذبحة (مخيم جنين) عناصر التخييل في حَيِّزِه المكاني (المذبوح) ويكثفها: «راحت ليلى ترفع آلة التصوير وتحدق بعدستها .. تلتقط صورا تشابهت معالمها .. أكواما من الكتل الإسمنتية، بقايا أثاث، ملابس تلطخت بالدم والوحل والغبار، بعض الجدران استندت على بقايا جدران أُخرى، ألعاب أطفال ممزقة، دراجات صغيرة طارت عجلاتها، كتب مدرسية ممزقة، تناثرت أوراقها، كراسات هنا .. قلم رصاص مكسور هناك، حذاء طفل، رَضّاعة لا يزال الحليب فيها .. حدقت ليلى في الركام أمامها . اقتربت كأنما تبحث عن ساكنيه، أطرقت لعل أحدهم لا يزال هناك ينتظر أحداً يرفع عنه الأنقاض ..«ص9»، ويسلسلها إلى تاريخ طويل من المذابح المماثلة على رُقَع متعددة في المكان الواحد، مما يمنح المكان ـ المذبحة الجديد قيمة رمزية مضخمة، نابعة من اتصاله بالمشهد الأعظم (مشهد الأرض التاريخي/ البطولي/ الكلي/ القائم/ الأم/ ..) والتقاطع معه!
بالوعي المكاني السابق، وبالتكثيف له، مَخَرَت (غياب) عباب ما ينوف عن نصف صفحاتها، فتمغنطت الرواية أدبيا بما يكفي لأسر القارئ وإغوائه، عدا ثلث الرواية الأخير الذي بدا منفصلا عن الثلثين الأولين، وأقل منهما  تكثيفاً للصراع، بكثير .
المكان التاريخي
إن الملمح التاريخي للمكان في هذه الرواية، يعد آلية البناء الأبرز في فهم ملامح ارتسام المكان فيها، فالراوي بموقعيه المباشر وغير المباشر، أي المعبر عن نفسه والمعبر عن الشخصيات، يضخ ـ طوال ثلثي الرواية الأولين - معرفة بالمكان الفلسطيني شملت موقعه الجغرافي وسيرته التاريخية ومسطحه الطبيعي ..
تلك، كانت آلية بناء للمكان فعالة (انظر بشكل خاص الصفحات من 12-25). هل تمنح تلك الآلية، إنسان ذلك المكان وراويه، صدقية عالية، وتسند دعواه الإيديولوجية في امتلاكه؟
المكان الإنساني
المكان في هذه الرواية حبيب الإنسان، جزء من روحه.
لذلك.. سنرى تدخل الراوي المباشر ليؤنسن المكان ويمنحه الروح والإحساس! وما عليه في ذلك أي حرج.. فالمكان هو القاعدة الشاملة التي يقف عليها الفلسطيني في الحاضر الموجود، كما في الذاكرة المتوارثة.
ألا تسْنِدُ هذه الأنسنة دعوى امتلاك المكان من قبل الراوي؟ ألا تمنح، هذه الأنسنة، رواية (غياب) تبجحها الخاص؛ المتحامي بالمكان، إحساساً به، وحبا له، واندغاما به، وتذاوتا فيه؟
لنلتفت إلى المكان الإنساني كما عايَنَه السرد ..
«كان الفجر يتسلل فيكشف ملامح المكان على يسارهم، فيما أشجار الصنوبر في حرش (بلعمه) جنوب المدينة تتسلق سفح التل، صامتة كأنما أذهلها منظر الدبابات والآليات العسكرية المرابطة قبالتها، التصقت كل واحدة بالأُخرى، كأنما تحتمي بها، أو ربما تحميها من شر الغرباء، الذين اقتحموا عليها خلوتها وصمتها، فتسمرت فروعها وأغصانها، لا تبدي حراكا، الأشجار كائن حي، تستشعر الخطر، تتكور على نفسها، درءاً لأية مخاطر، ..«ص19».
«كانت الشمس تهرب نحو المغيب مذعورة وهي تشق طريقها ليس بعيداً عن المقاطعة، فيما تطوقها الدبابات والآليات العسكرية، بينما انتشر الجنود حولها، مدججين بأسلحتهم .. «ص27»
 «أطلت من النافذة لعلها تلمح أحداً في الشارع، لكن بصرها لامس شجر الصنوبر في آخر الشارع، حيث يبدو طرف البيت من بعيد، حَدَّقَتْ، لكنها ..» «ص47»
 «لم تدر كيف وصلت إلى البيت، وقفت عند مدخله .. كأنما تراه لأول مرة .. كم أحبت هذا البيت القديم، بحجارته التي تغير لونها، وقفت تحدق في البيت فيما أمها تحثها على الدخول ..» «ص56»
الزمان/ المكان
هذا ملمح معقد من ملامح ارتسام المكان في هذه الرواية، فهو ملمح الصراع الكلي في تكثفه القائم الآن، وكذلك ملمح عمقه الضارب في التاريخ.
إذ يتصدى المكان (الثابت) للزمان (الطارئ) بدل أن يتسق معه!
وقد حددت رحلة عودة الصحفية ليلى وطاقم الإغاثة الطبية من مخيم جنين إلى مدينة رام الله السمات الأساسية لكل من المكان والزمان في فلسطين المعاصرة:
الزمان     المكان
.1قاتل      .1حاضن
.2محزن     .2مبهج
.3ممل     .3ثري
.4معقد     .4سهل
.5مذل     .5مُعْتَدّ
.6فجائي     .6غير فجائي
.7متضاد مع حاضنته الطبيعية 
.7متجانس مع حاضنته الطبيعية
.8طارئ      .8ثابت
إن الثنائية الضدية الزمان/ المكان هي جوهر القيمة الجمالية في هذه الرواية، إذ تتمحور حولها جميع علاقات الرواية ومكوناتها على نحو قوي يُسجل للروائي أسعد الأسعد.. انتبه أيها القارئ! فها هنا ثمة رسالة من (غياب)، على الكون كله أن يسمعها أو يقرأها..! هي : الزمن الفلسطيني مُقَطَّع بالحواجز العسكرية، بالسجن، بالقتل المفاجئ .. مُقَطَّعٌ بالحزن، بالاستباحة، بالبطء، باللاتوقع، ..
زمن المغتَصب مُسَلَّح بأحدث أسلحة الفتك، وبإسناد القوى الكبرى، بغياب الوحدة العربية والأممية، .. مسلح بموقع الهيمنة الشامل ..[.
 «بعد أن سلك السائق طريقا جانبية، متجنبا الدخول إلى قباطية الخاضعة لحظر التجول، كانت الطريق خالية .. إلا من سيارات عسكرية ودوريات تعترضهم بين الحين والآخر . تستوقفهم وتدقق في هوياتهم قبل أن تسمح لهم بمواصلة السفر .. استغرقتهم الطريق أكثر من ساعة .. خرجوا منها بعد ذلك .. إلى طريق مُعَبّدة حديثا يتوسطها خط أصفر .. وعلى جانبيها خط أبيض يحدد حاشيتيه ..
- عجيب .. الطريق هنا غير تلك .. علّقت ليلى وهي تُنَقّل نظرها في التلال المحيطة بوادي الباذان ..
- إننا نقترب من حاجز الحمرا .. وهذه الطريق يسلكها المستوطنون ...
تمهل السائق وهو يقترب من الحاجز .. كانت السيارات العسكرية تنتشر في المكان .. وعلى جانب الطريق، اتخذت إحدى الدبابات موقعا متقدما، فيما عَدَّل الجندي وقفته خلف الرشاش المثبت فوق الدبابة، تحسبا لأي طارئ، ظهر أحد الجنود متحفزاً، ... كانت سيارة الشحن التي تخضع للتفتيش صغيرة، ظهر سائقها يحمل على ظهره صندوقا من داخل سيارته ... حتى أفرغ حمولتها ... كان السائق وحيدا، فاستغرقه ذلك زهاء ساعة ... أشار الجندي إلى سائق الشاحنة بالعودة من حيث أتى! «ص21،.20».
«فجأة. خفف السائق سرعته. حين قفز أمامه قطيع من الغزلان، عبر الشارع مسرعا .. فيما وقف أحد الغزلان .. كأنما يطمئن على القطيع .. لحظات قبل أن يتبعهم .. قفز الجميع متسلقا التل المقابل، صعودا إلى أن غيّبهم المنحدر .. انطلق السائق فيما كان الركاب يتبعون الغزلان بنظرهم .. كأنما يطمئنون على سلامة القطيع . حين ظهرت من بعيد سيارة عسكرية .. التفت الراكب الجالس في المقدمة إلى السائق .. وقال منبها»..
- إنه يشير إليك بالتوقف ..
- «إنها قافلة مستوطنين» .. أجابه السائق، فيما أخذ بالتنحي جانبا، مخففا سرعته ... لحظات، تنحى جانبا .. إلى أن مرت قافلة المستوطنين تحرسهم سيارة الدورية ..«ص23»
«وصلنا حاجز عين سامية، جهزوا بطاقاتكم .. قال السائق مخاطبا الركاب، فيما بدا الامتعاض على وجوههم، وهم يمدون أيديهم بحثا عن بطاقاتهم، أبطأ السائق فيما وقف أحد الجنود مشيرا له بالتوقف بعيدا عن سيارة الدورية، أطفأ السائق محرك سيارته، وترجل حاملا بطاقات الركاب، ورفع يديه، كشف عن بطنه، أعاد يديه إلى الأعلى، وتقدم نحو الجندي الذي أمره بالتقدم رافعا يديه، فيما تقدم جندي آخر، وراح يدقق في البطاقات واحدة تلو الأخرى، نظر في التصاريح، فيما راح السائق يوضح للجندي أمر ليلى، ويشرح له سبب عدم حصولها على تصريح، أو بطاقة هيئة الإغاثة، ومرة أخرى، أعاد عليه ما كان ردده للجنود الآخرين على الحواجز السابقة، توجه الجندي إلى سيارة الدورية، ..» «ص24»
ثغرةُ «غياب» التشكيلية
ما الذي يجعل رواية ما (عادية) و أُخرى غير عادية؟
لقد مَدَّت الكيفية التركيبية لِ (غياب) عالمها السردي المتخيل بقوة حقيقية .. لكن تلك الكيفية لم تشمل بعطفها الرواية كلها، وهو ما أًفضى إلى ثغرة في التشكيل النهائي للعمل، أضعفت قيمته الجمالية .. فقد اعتمدت (غياب) المكان استراتيجية تشكيلية لها، أي مدخلا فنياً، وبنية دلالية، في آن واحد، وليس في ذلك حرج، وتوسلت في ذلك وسائل عدة:
1- تكثيف حضور المكان في المستوى السردي الأول (مستوى المعنى) حتى تحولت معظم المواقع السردية التي يرد فيها ذكر للمكان -  أيّ مكان.. دموي، جغرافي، شخصي، طبيعي، تاريخي، .. إلى أنوية سردية جمالية محملة بطاقة أدبية غير عادية ..
تلك الوسيلة كانت سلاحا فعالا في يد التشكيل الروائي، لما نجحت فيه من مَحورة موحدة، قويه، لمعنى المكان في بعديه، الجزئي والكلي في المتخيل السردي.
2- استدعاء أمكنة وأزمنة منفصلة عن زمن السرد الأساسي، عبر تقنيات الحوار وتداعي الذكريات والحلم وتدخل الراوي كلي العلم .. وهو ما وضع تلك الأمكنة بشخوصها، وأحداثها، وعوالمها في مواجهة نصية خلاقة مع السرد الأساسي .. إلا أنها مواجهة لم تكتمل، وذلك لاقتصار استخدام تلك التقنية التشكيلية على بداية الرواية ثم نتف سردية متفرقة فيها، فأربك ذلك، المسار البنيوي العام للرواية.. الطريف أن المؤلف كان يحوم باستمرار حول تلك التقنية التشكيلية دون أن يسدد سهامه نحوها..
 أو لم تكتمل لأن الاستدعاءَات مبتسرة وذات طابع إشاري ليس بمقدوره أن يفتح قناة اتصال فعالة مع المتلقي ..
لقد كان بإمكان المؤلف ـ نظريا ـ أن لا يستخدم تقابل بنيتين داخل سرد واحد ويكتفي بزمن روايته الأصلي، أو أن يستخدمها على نحو منسق يشمل المساحة الكلية للرواية ويجعلها في صلب عملية إنتاج المعنى ـ وذلك الخيار، تحديداً، كان سيحول الرواية من (عادية) إلى غير عادية! إذ سيكسبها ثراءً فنياً ودلالياً، ولا سيما إذا انفتح التقابل على مضامين اجتماعية، وإنسانية، وفلسفية ـ خاصة بالمجتمع الفلسطيني ولم ينحبس في مضامين نضالية أو سياسية.
ومن تبعات تلك الثغرة .. ظهور نصف الرواية الثاني بمظهر المنفصل عن نصفه الأول؛ إذ طغى الزمن الفردي (مرض والد ليلى، وخفقان قلبها للحب،...) على الزمن الجماعي (النضالي والإنساني) في النصف الأول .. لماذا حدث ذلك .. في رواية انفتحت أولى صفحاتها على مجزرة جماعية للمكان، ثم مجزرة جماعية ثانية في مكان آخر (رام الله)، بما يمكننا اعتباره سيرة للانتفاضة الفلسطينية تحت مسمى روائي «غياب» ..؟! الأرجح أن الروائي أسعد الأسعد لم يتنبه إلى أنه يستخدم وسيلة تشكيلية تدخل في صلب البنية الجمالية لروايته وتتحكم في الاتساق الكلي لها ..] يمكن تفادي هذا الخلل بتدقيق المخطط التشكيلي (البنيوي) للرواية قبل وأثناء وبعد كتابتها، باعتبارها (الرواية) تعبيراً جمالياً يتوسل لغة شكلية خاصة به ولا يمكن الاستهانة بها .. [.
الأسلوب اللغوي للرواية
هو أسلوب يصف نفسه بنفسه!
فهو لغة صافية رقراقة .. واستخدام للأفعال الإنسانية البسيطة بأناة وهدوء . وإحساس رقيق ورفيع باللغة .. وصدق مبثوث في الثنايا .. ودقة في التعبير .. وصبر على بناء مشهد يعج بالأفعال الصغيرة المتسلسلة .. ولغة تجد فيها مفردات الإنسان والطبيعة في فلسطين: تهبرج، ميرمية، البطم، الخروب، العليق، .. يعزز ذلك بناء هوية المكان في الرواية .. وهو أسلوب إنسان محب للغة العربية .. انطبع بطابع إنساني شفيف ونبيل الرياح!
[email protected]

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }