تمثل الهجرة حدثا مفصليا في حياة صاحبها، فهي تغير أحكام ما قبلها جميعا، وهذا أمر يعرفه كل من خبرها وترك وطنه طلبا للعلم أو الرزق أو حتى طلبا للنجاة، والهجرة في معناها الواسع لا تتوقف عند ترك الوطن والارتحال عنه، لكنها تتوسع لتشمل ترك الأفكار والاعتقادات والعادات والارتحال بعيدا عن السائد من الأنماط والأفكار في المجتمعات المحلية والموروثات الفكرية.
هذا يغير معنى فكرة الهجرة العام من السفر والابتعاد المكاني الى فعل التغيير الشامل والمقترن بالفعل الإيجابي لفرض واقع جديد، ولذلك كانت هجرة الأنبياء دليلا ومثالا على آليات هذا التغيير وسننه الكونية، فنبي الله موسى هاجر وقبله إبراهيم عليهما السلام كما هاجر خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، وكل لقي في هجرته مشقة ونصب، كما وجدوا قبل هجرتهم تعنتًا وكيدا من الطغاة والمجرمين، واجهوه بالصبر والثبات الموجبين لتربية النفس وتزكيتها لعبور بوابة الهجرة والوصول الى التغيير المنشود.
ارتبط ذكر الهجرة في الذكر الحكيم بكل مواضعه التي تفرقت على أكثر من عشر سور (لتحرير فكرة الهجرة من الارتباط بالحدث التاريخي الى فضاء السنة الربانية العامة) بالإيمان والجهاد، فالإيمان هو المؤونة الضرورية لتحمل مشاق الهجرة وترك المألوف المأمون الى المجهول المريب، الذي لا يؤنسه الا التوكل على الله ولا يحققه الا العمل الشاق (جهاد النفس ورفع الظلم وطلب العدل)، فالهجرة هي قفزة ايمان في الظلام يراد بها اصلاح كامل وشامل للنفس والمجتمع، وفتح صفحة جديدة تماما تجبّ ما قبلها وتبطله.
ولان هجرة النبي الكريم كانت مثالا لكل المؤمنين، فقد ارتبطت بالأخذ بالأسباب، والترتيب المسبق والتخطيط الدقيق و التوكل المطلق علـى الله » خذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وتوكل على الله وكأنها لا شيء» فلا تنافي بين التوكل علـى العلي القدير وملاقاة الصعاب كما لا ينقص الاخذ بالأسباب من الايمان شيئا، فكانت بيعتا العقبة الأولى والثانية وتحمل الأذى بمكة وطلب الأنصار من مسلمي مكة بالمجيء وارسال سفير رسول الله «مصعب بن عمير» الى المدينة قبل الهجرة وخروج النبي مع أبي بكر سرًا، وترك علي بن ابي طالب لرد الامانات واختيار الط?يق الى المدينة وغيره مما جمعته كتب السيرة من تفاصيل، درسا ومثالا لنا جميعا لكيفية الإصلاح والتغيير دون انتظار المعجزات، فالله عز وجل خلق الابتلاء ليحقق الاصطفاء، وكذلك حصل مع موسى وإبراهيم وإسماعيل والمؤمنين عليهم السلام.
ذكرى الهجرة هي تذكير لنا بكيفية اعداد أنفسنا لنصرة الله لينصرنا، وشُبّاك نطل منه على سنن التغيير والنصرة، وشرح لمعنى الايمان بالغيب، وفهم لمتاعب الحياة وتربية النفس وتعويدها على المدافعة وتأديبها وتوطينها في رفض الظلم والاجرام، وهذا يجعل الهجرة المكانية أو النفسية أو العقلية طلبا للإصلاح والتغيير واجبا علينا جميعا أمام الله وأنفسنا وأهلنا ومن هم بعدنا كذلك.
(إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.)
Saifalrawashdeh0@gmail.com