كتاب

سري ناصر استاذ وذاكرة

انتهيت للتو من كتابة مذكرات الاستاذ الدكتور سري ناصر التي اختار لها عنوانا مختصرا (رحلتي) والتي تصلح برأيي لكي تكون تجربة قابلة للتعميم لعل القارئ يجد بين طيات فصولها ما ينفع الناس ويمكث في الأرض ولما فيها من دلالات وقيم تشد انتباه السامع فيقف على محطات مفصلية هامة في حياة هذا الرجل الذي شارف على نهاية العقد الثامن من عمره وهو ابن بلدة لفتا والقدس القديمة في فلسطين ليقدم نموذجا حيا للانسان العربي والفلسطيني والاردني الذي شق صخر وأراد ان يكون له دور ورسالة في الحياة جسدت إيمانه بأن حياة المرء لا يمكن أن تكو? ذات معنى الا اذا اختار ان يكون اسما ذا شأن وعلم ومعرفة وخبرة يسهم من خلالها باسناد جهود تعزيز التنمية المستدامة عبر انشاء جيل من شباب وشابات الوطن المتفهمين لطبيعة المطلوب منهم بحجم ما يتملكونه من قدرات ومهارات في مجالات مختلفة لا بد من العمل على توظيفها بالطريقة المثلى في بناء الوطن وتعزيز قوته.

سري ناصر الذي تواجد في الولايات المتحدة الأمريكية منذ مطلع الحمسينيات حتى منتصف الستينيات من القرن الماضي نموذج للإنسان العصامي والمكافح الذي ترك البلاد والأهل والأصدقاء قاصدا اقاصي الدنيا ليصل في امريكا إلى مبتغاه بعد غياب أربعة عشرة سنة كانت حبلى بالأحداث والتحديات الجسام التي لم تنل من صبره وعزيمته واصراره بألا يعود إلى القدس خالي الوفاض بقدر ما عاد محملا بثلاث شهادات علمية من جامعات امريكية مرموقة السمعة والصيت ومن ثم يتوج مسيرته بتفريغ هذا العلم في عقول بناتنا وابنائنا الطلبة في الجامعة الاردنية التي ?هد ناصر بداياتها وعايش تطورها لبنة لبنة وهي تضم نخبة علماء قدموا عصارة خبراتهم وعلومهم لكي ينهض الوطن على قاعدة متينة من العلم والمعرفة والثقافة التي ظلت توائم بين الحداثة والمعاصرة جنبا إلى جنب.

في محطات السيرة الممتعة يطالع القارئ تصورا واقعيا عاينه الدكتور سري ناصر يوما بيوم بكل تجلياته السلبية والايجابية عبر تقديم صورة حية لطبيعة ومنظومة الحياة هناك وكيف قاسى وعانى وواجه التحديات بصبر وثبات وتنقل بين اكثر من جامعة وهو يعمل تارة في مطعم واخرى في مقهى وثالثة في نقل صناديق البيسي كولا وغيرها وكل ذلك لئلا يمد يديه لأحد ولئلا يتعطف عليه احد بشربة ماء يعرف انها لن تروي ظمأه كما لو أنه كد وتعب واكل ودرس من عرق جبينه حتى وصل إلى ساعة تخرجه من الجامعة وهو ينظر إلى القدس ويتطلع إلى عناق امه وابيه وأهله ب?د غياب قسري دام أربعة عشر عاما.

سري ناصر حكاية مشوقة فيها جوانب تستحوذ انتباه القارئ والمتابع وقد اختار لها اسلوبا ممتعا بعيدا عن السرد والملل فآثر ان تكون لغتها سهله يستوعب الصغير والكبير مفرداتها كما هي ويفهم احداثها ولعل الملفت فيها أنه لم يعمد إلى المكملات التي تأتي على جوهر ما أراد أن يوصله إلى بنات وأبناء جيل اليوم عسى أن تستوقفه فيها الدلالات التي رغب ناصر فيها والتي يختصرها بعبارة أنه أراد لكتابه ان يكون رسالة للشباب العربي والاردني بأن لا يغتر بالغربة والسفر وألا يظن أنه إن ترك الوطن إنما سيذهب ليجد السمن والعسل والمال الوفير مل?ى أمامه في الطرقات وما عليه سوى أن يجمعه بلا عناء او مشقة او تعب.

كتاب جميل ممتع فيه الكثير التي رحت سألت حالي أسئلة كثيرة كيف كان لهذا الشاب الفلسطيني العصامي المقدام ان يصبر ويتجاوز كل ما مر به من ظلم وتجني وقهر وكيف لم يتخذ القرار بالعودة ادراجه إلى القدس ثم كان يجيبني ويقول كيف أعود ليقال عني وكأنك يا ابو زيد ما غزيت.

لنطالع سيرة حياة هذا الرجل الأكاديمي المتواضع البسيط الذي قدم افكارا ريادية ساهمت في نهضة ومسيرة الوطن والشواهد على ذلك كثيرة يعرفها طلبته خاصة من الجامعة الاردنية الذين أبى الا أن يخرج بهم من حرم الجامعة إلى حرم الوطن ويقودهم إلى الأعمال اليدوية التي عززت لديهم مفاهيم العمل التطوعي وقيم الخدمة العامة دون انتظار مقابل.

خمس دولارات فقط كانت وحدها في جيب سري ناصر عندما وطئت اقدامه الولايات المتحدة الأمريكية فكيف كانت هي العدة والعتاد التي وصلت به إلى منصات التخرج من أرقى الجامعات الأمريكية، وفي محتوى الكتاب الاجابة على ذلك.

ahmad.h@yu.edu.jo