جذبتني نجاحات آسيا وبالأخص الصين واليابان وكوريا وماليزيا وسنغافورة. فقمت بزيارتها مرّات، وطالعت وتزوَّدتُ بدراسات ومقالات عنها، ورغبت هنا ان أعرض نموذجاً لبناء الانسان القيادي هناك للفائدة. سادت تعاليم الفيلسوف، الفقير، والموظف الحكومي، والمدرس المصلح، المنبوذ من ولاة الامر، الفيلسوف كونفوشيوس دول شرق آسيا ودُوِّنت فلسفته بعد أربعة قرون من رحيله فلقّّبه البعض نبياً، ونُصِبت له التماثيل، وقُدِّسَ، بعد إعلانه للملأ أن الاصلاح مَهَمَّة موكلةً اليه من السماء و من قوةٍ لن تخذِلُه.
وتحضن فلسفته، اقواله وسلوكياته، فهي منظومة من فضائل التقاليد القديمة الموروثة من الانتظام، والبذل، واحترام الغير، والتضحية والتفاني من أجل المجتمع، والخلق والصدق والاخلاص، وبِرِّ الوالدين، والرأفة، والشجاعة، واللطف، والتواضع، وحب الموسيقى، هي شبكة ومنظومة فكر سياسي اجتماعي، وفضائل دعا ان يتسلح بها الشعب والحكام، معا، وليصبحوا القدوة، وينالون احترام الشعب. فروَّج لحكومة كونفوشية: هي أبوية بطريكية حازمه، دعا فيها لتميُّزٍ ثقافي، وديني، لا إقتصادي.
ولقد اتبعت الصين ثم اليابان وكوريا الجنوبية، نموذج تعليمٍ مبني على الكونفوشيوسية. ويكرس الصينيون، ومنذ القرن 17، التعليم الحثيث لأبنائهم من قبل أساتذة ألمعيين. فتطورت تلك الدول. وكوريا الجنوبية مثال استحضره هنا: لقد سمحت بإنشاء «مدارس خاصة «منضبطة سُمِّيَت كْرامْ Cram أو هاقوونز Hagwons عددها الآن يفوق مئة الف، وهي مربحة جداً، يلتحق فيها لمدة عام كل ّ طالب يرغب اجتياز امتحان بمعدل يؤهله دخول الجامعات المرموقة. كما يلتحق بها كل من لا يحقق في المدارس الحكومية معدلا عاليا في امتحانات الدخول، فأصبحت المدارس هذ? نظام تعليم موازٍ Shadow Education فيها حراس شداد يراقبون ويمنعون الطلبة من الهرب ولا يسمح فيها للطلبة التواصل مع الخارج بأجهزة التواصل الحديثة. ويمضون ساعات طوال، فتعزف في الصف بين حين وآخر، موسيقى توقض الطلبة من الإرهاق، كما يطلب منهم تنظيف صفوفهم قبل مغادرتها. وشاهد العالم كيف نظف المشجعون اليابانيون مقاعدهم في مدرج اولمبياد قطر، بعد انتهاء مبارات فريقهم لكرة القدم..
ويمنع أهالي الطلبة اعطاء دروس بيتية خصوصية لابنائهم، كما وتراقب الدولة هذه المدارس بعد العاشرة مساء لضبط الدوام الطويل للطلبة والاساتذه، مباشرة والكترونيا عن بعد. وتعدِّل رواتب المعلمين وفق درجات نجاح معدلات طلابهم؛ ويُسْتَغني سنويا وبالمعدل، 10% منهم لعدم الكفاية.
وينجح 70% من طلبة التوجيهية فيها القبول في «الجامعات المتميزه» (مقابل 51% في بريطانيا و 57% في اميركا وفق احصاءات دول ال OECD). وبلغت نسبة متلقي التعليم والتدريب الخاص في هذه المدارس 78.3% من مجموع طلبة الابتدائية والثانوية. ويكلِّف الطالب أهله، بالمعدل 311 دولارا شهريا. فأصبح طلبتها طبقة من فوقيّين؛ متعالون، يُعيِّرون طلبة القطاع العام، وأقرانهم في مدارس اخرى، بأنهم يمضون وقتهم باللعب واللهو وبمسك ايدي بعضهم البعض! ورغم قساوة هذا النموذج التعليمي، الا انه ساعد كوريا، فأصبحت اليوم وفق مجلة الايكونومست، قوة?اكاديمية عُظمى Academic) Superpower)، وقوة اقتصادية ايضا. وتنفق الحكومة الكورية على «التعليم العام» 1.5% من دخلها القومي الاجمالي، مقابل 5.7%، ينفقه القطاع الخاص 20 بليون دولار أميركي.
و رغم تفوق كوريا تعليميا وإقتصاديا، فللتفوق كلف عالية، وصناعة التعليم المتشددة لم تخل من العيوب: ضغوطا نفسية عالية على الطالب وأهله وبالذات قبيل دخول امتحانات الجامعة فالاسئلة صعبة وطويلة والدوام كذلك كله أدى الى تجاوز كوريا دول ال OECD في نسبة الامراض النفسية المؤقتة والمزمنة. وبينت الدراسات أن الآباء يمرضون قلقاً كالابناء.
(25 % من الطلاب الذكور في مرحلة قبل الجامعة و 33% من الاناث أصيبوا بامراض نفسية Depression) فالانظمة المتشددة ضاغطة، وكذلك أكلاف التعليم هذا على نفسية العائلات فانخفضت رغبتهم زيادة الانجاب، والاقتصار على طفل واحد، ناهيك عن طول ساعات دوام الآباء، وارتفاع كلف الاسكان، وجمود الاجور. واصبحت كوريا اعلى دولة في انخفاض معدل الولادات، وفي تصاعد معدل زيادة كبار السن. واعلى دولة في كلف تربية الابناء حتى سن 18 وتُرْجِع الدراسات ذلك في معظمه الى ارتفاع كلف التعليم وبالذات التعليم الخاص. وتبذل اليوم كل هذه الدول جهودا ?بيرة لمراجعة هذا النموذج من التعليم الخاص والعام وأكلافه.
وعلاوة على ذلك فقد افرز هذا النمط من التعليم والمدارس فروقات وتباينا مجتمعيا طبقيا لابناء متميزين من عائلات تستطيع تعليم ابنائها في مدارس خاصة (والبعض اثقلتهم اعباء قروض تعليمية)، فتميزت طبقة على غيرها وسبقت في المواقع الوظيفية والعامة، والمجتمعية تلك توازنات غير ايجابية، مجتمعية وفي المداخيل _واليوم يعالج المصلحون والاحزاب ومحامو الحقوق المدنية في بريطانيا واميركا هذه التفاوتات الطبقيه وفي المداخيل- تلك إفراز سياساتهم التعليمية من مؤسسات متميزة ومتمايزة ولدت تفاوتاً وتحيزاً لمنتجاتها عن مدارس أخرى. فمثلا ?راهم يعالجون التحيُّز في سوق العمل نحو خريجي جامعات خاصة كهارفرد واكسفورد، وتركز الوظائف القيادية عليهم. وسميت الاصلاحات في بريطانيا ب إعادة التوازن Levellig.
وتحضرني هنا أجواء امتحانات التوجيهية الاردنية وقلق ما يقارب مئة الف طالب وعائلاتهم وحتى جيرانهم من نموذج امتحان التوجيهية وهو المرحلة الحاسمة لدى الطلبة، والاسئلة ومعدلات القبول في الجامعات وما تولده من توتر، وربما امراض نفسية للابناء والاهل، ليس لدينا دراسات كافية عنها بل قرائن. ولقد ورد في سياق دراسات ميدانية مرموقة للاستاذ المتميز الدكتور كامل العجلوني، بروز عوارض صحية عندنا وفي الاقليم، متمثلة بشيوع مرض السكري وتوتر الشرايين وخلافهما، تعود لأسباب شتى، لكنها جديرة بالانتباه والفرز والمعالجة.
لا يخفى أن في الأردن جهودا طيبة ومستمرة موكل اليها مراجعة الوضع التعليمي، ومن الافادة استرشاد التربويين جميعا بنموذج التعليم في كوريا واليابان وسنغافورة، والمانيا، التي سبقتنا في هذا الحقل، وتركيزهم على الخبرة المهنية لا الشهادة معيارا للعمل والارتقاء. نريد الاسترشاد وانتقاء ما يناسبنا من نماذج، لا استيراداً أو استنساخاً معلباً، ذلك لاختلاف بيئتنا عنهم. ففي تجربتهم دروسا ومعارف وحصادا. وبرامجهم تُثرينا في كيفية اصلاح الحصاد الشائك لنجاح صناعة التعليم عندهم، وفي معرفة كيفية مراجعة ومعالجة الامتحانات واسئلته? ومراحلها وليس مرة واحدة، تخفيفا ضغوطاتها على نفسية الطلبه وأهلهم.