بدأت يوم أمس امتحانات الثانوية العامة ومع أمنياتنا بالتوفيق والنجاح لأبنائنا وبناتنا، وبلغة الأرقام فقد تقدم نحو أكثر من مذئة وأربعين ألف طالب وطالبة للامتحان من مختلف الفروع وبعيدًا عن الأجواء المصاحبة لا سيما فيما يتعلق بردود الفعل حول طبيعة الأسئلة «هذا من المنهاج وذاك من خارجه، والوقت المتاح أقل مما يجب أن تكون عليه» وما إلى ذلك، فإن ما وددت الحديث عنه يرتبط مباشرة بنا نحن أولياء الأمور وما يفعله الكثيرون منهم مع أبنائهم وبناتهم منذ الانتهاء من الصف الذي يسبق الصف الثاني عشر «التوجيهي» إلى حين إطلاق صا?رة ختام الامتحانات، وهي فترة وبحسبة بسيطة تمتد لنحو عام وشهرين على أقل تقدير.
المشهد الذي كان بالأمس ويتكرر كل عام ومع كل امتحان هو انتشار الآباء والأمهات في الشوارع وأمام المدارس التي يؤدي فيها الطالب امتحانه، ناهيك عن «الزنّ» فوق رأسه قبيل الخروج من المنزل الأمر الذي لم أجد له مبررًا أو مسوّغًا مما يشعرُ الطالب أنه داخل وعيون أهله تتبعه لحظة بلحظة ولعلّ ذلك مما قد يتسبب بارتباك وقلق خاصة إذا ما واجه الطالب موقفًا خلال الامتحان كأن «يتلبّك» في حل مسألة في مادة ما، فيصبح شغله الشاغل ماذا سيقول لأمه التي تنتظره أو أبيه أكثر مما يفكر بالتوصل إلى «تفاهم» مع السؤال العنيد وحل سلس يخرجه ?ما هو فيه.
نحن نعلم مدى القلق الذي ينتاب الأهالي على أبنائهم والجميع راغب بأن تأتي النتائج على ما يُرام، ونعلم كذلك إن امتحانات الثانوية العامة (بشكلها الحالي على أمل استبداله مستقبلًا) تشكل قطب الرحى والمِفصل الأهم في ختام اثنتي عشرة سنة أمضاها الطالب على مقاعد الدراسة، ومدركون أيضًا لضخامة حجم الإنفاق وإن كان في بعض جوانبه «هدرًا» لم نعهده أيامنا فيما يسمى بالتعليم الخصوصي، غير أن ذلك كله لا يعني بالضرورة إعلان حالة الطوارئ وإنفاذ قوانين «الدفاع» في البيوت، وتفرّغ الأمهات والآباء لمرافقة أبنائهم مع كل امتحان وانتظا?هم إلى حين الخروج منه، (ويا ويل الزلمة اذا طلب طبخة) وأظن إن تفسير الحالة من قبل المتخصصين في علم النفس للمشهد، لربما يأتي رأيهم مشاطرًا للرأي الذي يشكّل جوهر مقالتي اليوم من ناحية أنه يتسبب بنوع من مضاعفة قلق الطالب بدلًا من إتاحة المساحات أمامه للذهاب إلى الامتحان والعودة للبيت استعدادًا للامتحان الذي يليه بثقة واطمئنان بعيدًا عن وابل الأسئلة والاستفسارات التي يرجمه فيها ذووه الذين يريدون منه إجابات محكمة عليها وكأنه كان عليه أن يحفظ كل حرف أو رقم أدخله في إجاباته.
رحم الله أمي وأبي وأمهاتكم وآبائكم، لم يكن أي منهم يعرف اسم المدرسة التي نتعلم بها، وقبيل الانطلاق بيمن الله للامتحان كان أقصى دعاءها – ومثلها أمهات ذلك الزمن – أن تقول «الله ينجحك يمّا شد حيلك»، فيستجاب الدعاء النابع من قلب نقي أبيض، ثم نعود ونواظب على دراسة المادة الأخرى وتأتي النتيجة كما أراد لها الله.
صحيح إن هنالك اختلاف نوعي كبير بين زمانين متباينين في الأفكار والقيم والسلوكيات، وصحيح إننا كنا قادرون على تحمل مسؤوليات أكثر أبناء وبنات هذا الجيل المتخم بوسائل الاتصال والتواصل، إلا أننا يجب أن نعي بأن طالب الثانوية العامة قد بلغ ثمانية عشرة عامًا من عمره وهي كفيلة باعتماده على نفسه في الكثير من شؤونه وأقلّها أن يذهب للامتحان ويعود لبيته لوحده ومن غير المعقول أن يتقدم لامتحانين بنفس اليوم «امتحان الوزارة وامتحان أمّه وأبيه». والله الموفّق.
Ahmad.h@yu.edu.jo