كتاب

العودة إلى البلاد

ثلاثة عشر مخيما في الاردن يقيم فيها اخوة فلسطينيين شردوا من وطنهم الام، قالوا لهم لن يطول البقاء ستعودون الى بيوتكم بعد اسابيع او ربما شهور، لكن البقاء طال لسنوات وعقود، وتحول بيت الزينكو الى منزل اسمنتي لكن ام نضال امرأة المخيم الصابرة لا تزال تحفظ الامتعه وتتفقدها كل يوم وكأنها ستعود غدا.

ايمان الفلسطينيين بالعودة ايمان مطلق، مرعب، واثقون بالعودة، يتجهزون لها صباح كل يوم، يتفقدون مفاتيح البيت، يلملمون بقايا بذور الحاكوره، يتحدثون باستفاضة كبيرة عن موقع شجرة التين، يحضرون مقص التقنيب ليقنبون زوائد شجرة الزيتون بعد القطاف.

اذكر انني اعددت تحقيقا مصورا في صحيفة الدستور قبل عشرين عاما، قابلت فيه سيدات طاعنات بالوجع، تحدثن بثقة عن يوم العودة الى البلاد.

البلاد، هكذا يطلقون عليها، كبارهم يعدون العدة للعودة مثل مسافر ينتظر استخراج البوردنج.

قبل عشرات السنوات سألت والدي رحمه الله ونحن نخرج من زيارة صديق له يسكن في مخيم العودة في الزرقاء، سألت والدي ببراءة طفل لا يعي المؤامرات السياسية ولا يعرف معاني الاحتلال: لماذا لا يعود ابو زهير واولاده الى فلسطين؟.

اجابة ابي ظلت مبهمه حتى كبرت، وفهمت، وعرفت، ان العودة ليس قرارا، وان الامر ينطوي على تعقيدات بالغة التشابك، ثم عرفت لاحقا بعد ان شاركت ابي بدفن الفلسطيني النقي ابا زهير ان اولاده يرشون ترابا حمله احدهم في كيس قبل ان يضعوا جثمانه الطاهر فوق هذا التراب.

هنا تملكني الفضول، فسألت ابي مجددا، لماذا رشوا ترابا قبل ان يضعوا جسده المتعب، قال لي: كانت وصيته ان يرش من تراب ارضه في ديراستيا قبل دفنه ليرقد رقدته الاخيرة على تراب فلسطين، كان ابي يبكي وهو يترحم عليه، وكنت استهجن ان يبكي الرجال، وحين كبرت فهمت ان فلسطين تستحق أن نبكي عليها، وان الشعب الفلسطينى الذي نام تحت حرارة الزينكو، ولسعة برد إربد ومادبا والبقعة في أشهر البرد القارص شعب آمن بأن فلسطين هي سجادة الصلاة، وأن فلسطين هي جنتهم اليوم وغدا وبعد غد.

شعب متفرد في العالم بان يعيش ثلثيه خارج وطنه، قصرا، شعب آمن بان العودة مسألة وقت، وأن النصر آت لا محالة، وأن البقاء في الشتات مهما طال ومهما تكاثرت الاجيال لا بد من العودة.

اليوم، يحاول الكيان الصهيوني ان يبرهن للعالم انه يتعامل مع حركات واحتجاجات داخل دوله يمتلك ادارتها ولا يمتلك ارادتها، يحاول ان يصور للعالم ان شبان يتمردون على كيانهم وانهم يعالجون الامر بطريقة الدولة التي تتابع المخربين، لكن كل صهيوني يعلم ان كل آلاتهم العسكرية وامكاناتهم المادية لن تزحزح ابا زهير عن ارادته وهو يطلب من ابن اخيه ان يأتِ له بكيس من تراب الارض، ناولها الى ابنه جهاد طالبا منه ما طلب.

اي تعلق هذا، اي عشق هذا، اي إرادة هذه، تجعل من ثمانيني يؤكد في وصيته بأن ينقلون جثمانه بعد عودة البلاد.

شعب لا تهزمه الدنيا كلها، ارادة لا تخترق، صلابة تتكسر عليها كل المؤامرات وكل المؤامرات، شعب احب البلاد، الفلسطيني حين يحب يزهد بالدنيا وما حوت، الفلسطيني حين يحب يؤمن بان زيتون سلفيت، وبرتقال واد قانا، وعنب الخليل سيقطفها ابناؤها ذات يوم، واكثر من ذلك يعدون الجرار ليملؤوها ويأكلون منها في شتاء التعاليل، ويخرفون ابناءهم واحفادهم عن مخيمات من الزينكو اعدت لهم في الشتات قبل ان تتحرر البلاد ويعودون، انهم يرونه قريبا، وقريبا جدا.