تحدثت كاتبة الرأي جيسيكا غروس، مراراً عن ابتعاد الأمريكيين عن الدين، وسبب انتماء كثير من الأمريكيين الآن إلى الفئة المعروفة باسم "اللادينيين"، في حين أنه قبل نصف قرن فقط، كان لدى الأمريكيين كافة تقريباً نوع من الانتماء العقائدي.
حدث القسم الأكبر من هذه الظاهرة في السنوات الـ25 الأخيرة
يقول جيم ديفيس ومايكل غراهام في كتابهما الجديد المعنون "الانصراف الكبير عن الكنيسة: مَن هم الذين يتركونها؟ وما السبب وراء تركهم لها؟ وما الذي يقتضيه الأمر لإعادتهم إليها؟" بأن التحول الأكبر على الإطلاق ربما يتمثل في جمهور دور العبادة.
أسرع تحول ديني في التاريخ الأمريكي
وأضاف الكاتبان: "إننا حالياً في خضم أكبر وأسرع تحول ديني في تاريخ بلدنا. فنحو 15% من البالغين الأمريكيين لا يترددون الآن على الكنائس، وحدث القسم الأكبر من هذه الظاهرة في السنوات الـ25 الأخيرة". ورغم أن المؤلفين يلمسان تبايناً ما في معدلات انصراف فئات سكانية بعينها عن الكنيسة، فإن كل الفئات صارت تنأى بنفسها عن العبادة التقليدية.
وبحسب ما جاء في كتاب ديفيس وغراهام: "لم تفلت أي طائفة دينية أو مرحلة عمرية أو عرق أو جماعة ذات انتماء سياسي أو فئة ذات مستوى تعليمي ما أو موقع جغرافي أو شريحة دخل محددة من الانصراف عن الكنيسة في أمريكا". ويركز الكاتبان على المسيحيين نوعاً ما لأن عددهم في أمريكا يفوق عدد المنتمين إلى أي ديانة أخرى.
وبناء عليه، تقول جيسيكا غروس في مقال لها في "نيويورك تايمز": "للكتاب هدف لا أسعى شخصياً إلى تحقيقه. فهو يقدم الحجة التي تؤكد ضرورة إعادة الأمريكيين إلى الكنيسة".
وأضافت أن البيانات التي يشاركانها توحي بأن "الانصراف عن دور العبادة" شائع تحديداً بين البوذيين واليهود، إذ إن نصفهم تقريباً لا يحضر شعائرهم الدينية بانتظام، وكذلك نحو 30% من غالبية الطوائف المسيحية، و20% من المورمون والمسيحيين الأرثوذوكس.
الابتعاد عن الدين
وأضافت الكاتبة "عندما سألت قراء موقع "نيويورك تايمز" عن ابتعادهم عن الدين، وصلتني ردود من أكثر من 7 آلاف قارئ، وسألتهم عما إذا كانوا يفتقدون أي شيء يتعلق بالحفاظ على الشعائر الدينية، وإذا كان هناك ما يفتقدونه، فما الطقوس التي حلت عندهم محل التردد على الكنيسة أو المعبد أو المسجد بانتظام؟".
عادة ما يصرح الذين يصفون أنفسهم بالملحدين واللاأدريين بأنهم لم يفتقدوا شيئاً البتة، وإنما سرهم أنهم تخلصوا من أي شيء يمتّ بصلة إلى العبادة. ومن غير المدهش أن تلك الفئات كانت فيها أعلى نسبة من الانصراف عن الكنيسة على الإطلاق، إذ بلغت نسبة الملحدين المعرضين عن الكنيسة 94%.
الطبيعة والتأمل بديلاً عن العبادة التقليدية
لكن هؤلاء (الملحدين) التمسوا بدائل للعبادة التقليدية، وأشهرها على الإطلاق تمضية الوقت في أحضان الطبيعة وممارسة التأمل والأنشطة البدنية، أي كل شيء يساعدهم على التحلل من أفكارهم والبعد عن أسباب القلق في العالم المادي.
وهناك آخرون يحاولون اختلاق أشكال جديدة من المسارات الدينية لأنفسهم.
ومن بين المؤهلات الأساسية التي يبدو أن القراء يبحثون عنها في مجتمعاتهم الروحانية الجديدة جانب أقل إقصاء من الطوائف الدينية التي نشأوا في كنفها. لكن الطوائف الدينية الأكثر "تشدداً" تحديداً هي الأقدر على الحفاظ على تابعيها، وفقاً لما جاء على لسان ميريل سيلفرشتاين، عالمة الاجتماع في جامعة سيراكوز التي درست خمسة أجيال من عائلات كاليفورنيا الجنوبية نفسها منذ عام 1971.
أطفال غير متدينين
استطاع المورمون والمسيحيون الإنجيليون إعادة ابتكار أنفسهم بقوة أكبر عبر الأجيال مقارنة باليهود والبروتستانت والكاثوليك. لذلك، "ينجب العلمانيون أو المعادون لفكرة الدين أو غير المتدينين أطفالاً غير متدينين أو معادين لفكرة الدين"، وهذه ظاهرة تخلق مشهداً دينياً جديداً وأكثر استقطاباً في الولايات المتحدة.
الانصراف الكبير عن الكنيسة
استخدم غراهام المؤلف المشارك لكتاب "الانصراف الكبير عن الكنيسة" مجاز "الجدار"، إذ قال: إذا كان لديك تقليد "عالي الجدار"، فإنه يخلق عائقاً أكبر للدخول، لكنه يخلق عائقاً أكبر للخروج أيضاً. وهو يعتقد أن الأديان ذات الرؤية الواضحة الخاصة بأنواع الأخلاقيات المتوقعة من معتنقيها، وجلاء المبدأ والعبادة المستقلة بين الفرد وربه ستصمد أكثر من غيرها.
وسألته الكاتبة ما إذا كان يعتقد أن نزعة التخلي عن زيارة دور العبادة بانتظام ستستمر بوتيرتها السريعة، فأجاب أنها ستتباطأ في نهاية المطاف، لأن كثيراً من الناس سينصرفون عن الكنيسة إلى درجة أنه لن يكون هناك أمريكيون ملتزمون دينياً بما يكفي للحفاظ على وتيرة الانصراف عن الكنيسة.
واتفق غراهام مع سيلفرشتاين على أن الأمريكيين المنصرفين عن الكنيسة سينجبون أطفالاً "منصرفين عن الكنيسة" أو لا دينيين بالكامل. وختم حديثه قائلاً: "أعتقد أن الانفصال العقائدي بوصفه ظاهرة ثقافية سيستمر".