كتاب

القطاع الطبي تحت المجهر (3)

البحث عن الحلول بعد مناقشة فرضيات الواقع هو الطريق الصحيح لمن يريد الاعتراف بوجود ثغرة آخذة بالتوسع بأداء القطاع الطبي كغيره من القطاعات، تحتاج لجرأة الاعتراف بعيدا عن التبريرات أو الاعتقاد بأننا الأفضل ومستهدفون،؛ نعم، لقد كنا الأفضل بفترة زمنية سابقة ولكننا الآن لسنا كذلك، بل يمكننا أن نكون كذلك إذا اجتهدنا وتعاونا للتعامل مع معطيات الحاضر، خصوصا بوجود منافسات شديدة وشرسة في جميع القطاعات الحياتية؛ منافسات محلية واقليمية بذات الوقت، يغذيها التطورات التكنولوجية بحدود يصعب تحديدها أو محاصرتها، وآخرها فرض م?طلح الذكاء الاصطناعي الذي بات يمثل تهديدا حقيقيا للحياة البشرية غير واضح المعالم والحدود.

يمثل أعداد الطلبة بالكليات الطبية واحدا من التحديات والمحددات الحقيقية والؤشرات المسقبلية للنهوض بالقطاع الطبي بعد أن أصبح تحت المجهر بدوره المحوري، فليس من المنطق الحكم على تواضع الأداء بسبب الزيادة في أعداد المقبولين وازدحام المدرجات بالطلبة، وقد ذكرت بمقالة سابقة بأن الزيادة هي مسار منطقي يتوافق مع زيادة عدد السكان، زيادة عدد طلبة الثانوية العامة والمتفوقين منهم، زيادة عدد الجامعات الحكومية والخاصة التي تحتضن كليات طبية في حرمها، زيادة الأمراض وظروفها وتشعبها، زيادة التخصصات الطبية الفرعية، وربما الفترة?الزمنية السابقة التي عصفت بغيوم جائحة كورونا قد أظهرت حاجة القطاع الصحي لمزيد من الدعم بالأفراد والسلاح والتدريب والمستلزمات.

هناك تواضع بميزانية الجامعات الحكومية التي تعتمد أساساً على الرسوم الجامعية والدعم الحكومي المتذبذب الذي لا يكفي لاستمرارية المسيرة منذ الولادة الأولى للجامعة الأردنية الأم، وبالرغم من محاولات بعض الجامعات لإيجاد فرص استثمارية بعوائد مادية على ميزانيتها، فولدت فكرة القبول الموازي برسوم جامعية مضاعفة لتوفير دخل مادي تعويضي للمساعدة بمسيرة الجامعات حيث يتم تخصيص نسبة محددة من أعداد الطلبة المقبولين سنويا للقبول بالمسار الموازي، والتي ربما ساهمت بزيادة بسيطة بأعداد المقبولين ضمن فلسفة مقبولة كما ساهمت بزيادة ?لدخل المادي الذي سمح بحرية التصرف، وللتذكير بحقيقة مهمة تشكل الأساس القوي للفكرة بأن معاملة الطلبة المقبولين على المسار الموازي لا تختلف أبدا عن معاملة الطلبة المقبولين على مسار التنافس، كما أن الاختيار ضمن فلسفة تنافسية تعتمد على معدل الطالب في الثانوية العامة المؤهلة للقبول والقريبة جدا من معدل الطلبة في المسار الأول؛ أي أنهم طلبة متميزون بالأداء والنتيجة، وقد أثبتت التطبيقات على أرض الواقع والنتائج التي حصل عليها طلبة هذا المسار بأنهم بنفس درجة التميز لأنهم أصلا طلبة مجتهدون.

القبول الجامعي على المسار الدولي تحكمه أنظمة وتعليمات متعلقة بسياسة وطنية لا يمكن للجامعات مناقشتها، لأنها ضمن مساحة التصرف الوطني بالعلاقات بين الدول لعقد اتفاقيات تعاون وشراكة ومن ضمنها القبولات الجامعية التي نحاول اليوم تسويقها بشتى الوسائل كفرص استثمارية ذات بُعد مستقبلي، حيث الرسوم الجامعية المضاعفة بسياسة قبول جامعية تحكمها الأنظمة المتعلقة بالشأن، وربما الحقيقة تشير لتواضع أداء نسبة من هؤلاء الطلبة تعكس واقع التعليم في بلدانهم ولكنها لن تؤثر على مستوى التعليم في وطننا، بدليل أن نسبة من هؤلاء يخفقون ?الوصول لخط النهاية بالمضمار كنتيجة طبيعية لمستواهم.

خلاصة القول، بأن أعداد الطلبة المقبولين بالكليات الطبية تمثل تحديا حقيقيا لمستقبل سوق العمل بالقطاع الصحي لأداء ميميز، كما أنها تساهم بزيادة فرص الاستثمار بالسياحة العلاجية التي نعول عليها كمؤشر مستقبلي لزيادة الدخل القومي، وربما القاعدة الأساسية التي يجب ذكرها تتمثل بحقيقة يصعب القفز عنها والمتمثلة بأن عوائد القبول الموازي والدولي بالكليات الطبية هو المصدر الأساسي لميزانية الجامعات وبغيره اليوم لا تستطيع هذه الجامعات مواصلة مشوارها، وعلى كل من يطالب بوقف هذا النوع من مسارات القبول الجامعي أن يتكرم بتفعيل ?لبدائل على أرض الواقع لتوفير سيولة مادية للجامعات لاستمرار رسالتها العلمية وتفعيل قدرتها بالمنافسة التي تنعكس من مستوى الخريجين وفرص عملهم.

لا يمكننا تفسير وضع القطاع الطبي تحت المجهر بسبب زيادة أعداد المقبولين بالكليات الطبية، ونرفض هذا السبب لمحدودية القبول ببرامج الإقامة في مختلف القطاعات الصحية، بل يجب اعادة النظر بهذه البرامج والتوسع بأعداد الأطباء لممارسة مهنية تسمح بفرص التدريب والتميز؛ نحن أمام منافسة شرسة من دول عديدة لاستقطاب المرضى بمختلف التخصصات بصناعة حقيقية لمصطلح السياحة العلاجية الذي يحتاج لتعامل واقعي مع المتوفر لدينا من بنية متكاملة؛ بشرية ومادية وتكنولوجية، فرياح التغيير تفرض حضورها، وفضاء وسائل التواصل الاجتماعي بمنصاته ال?تعددة يمتلك السحر بالتسويق؛ ودروس التاريخ تؤهلنا لاحتلال الصدارة إن ابتعدنا عن شواطىء الغرور والتشكيك والمؤامرة وللحديث بقية.