يمثل التفاعل والاشتباك مع الأحداث العالمية لربطها بأمور الداخل واحدا من منجزات التفكير الصحيح وخارطة طريق مستقبلية للدول التي تبحث عن عضوية الكبار بصوت التأثير على الأحداث العالمية والمستجدات الدولية، ويمكن إعادة تأهيلها بالظروف المستجدة، شريطة أن يكون ذلك ذات بعد وطني بهدف المحافظة على المنجزات التي تحققت وتلك التي تصنف بطريق التحقيق؛ قمة الانتماء والحرص بزيادة جرعة الثقافة والمعرفة بحدود التخصص وتوسيع أفق الأداء، فالتحالفات الدولية مبنية في الأساس على مساحة الأنانية الضيقة بالرغم من ارتداءها عباءة مزركشة?الألوان، يصعب فصلها أو الاستقلال بحرفيتها أو العبث بحدودها التزاما بتصميمها، مهما كان التصنيف لتلك الدولة، فنلاحظ مثلاً أن الظروف السياسية العالمية التي انقلبت أبجدياتها واختلطت أوراقها بغير أسس قد جعلت من الدول المصنفة بالقوى العظمى، تتلهث لعقد صفقات واتفاقيات مع دول متهالكة رخيصة، تعيش الفقر والجوع، لكنها قد تكون قاعدة عسكرية أو اقتصادية أو مالية وغيرها بشكل يجعل منها كومبارس مؤثر بالمسرحية التي يلعب بطولتها الكبار على حساب الصغار بتفسيرات لغوية يصعب تفقيطها ويمنع مناقشتها أو محاولة فهمها.
أصبح العالم اليوم بحاجة ملحة لإرساء مبادىء السلام والمساواة التي لم تجد طريقها للنور حتى الساعة بسبب الاجتهاد أو فرض الأمر الواقع، خصوصا أن القرن الحالي (كسابقه) من عُمر البشرية يفتقر للمبادىء التي تصنع القناعة وتتجذر بالمحبة، بل هناك سباق محموم للسيطرة على منابع الثروة والمال بالتزامن مع ازدهار العصر التكنولوجي وتطور ظروف الذكاء الإصطنعي بفوضى انعدام التقيد والانضباط؛ المهدد الأكبر للمستقبل البشري بعد أن فرض علينا الشك والشكوك بما نشاهد ونسمع، فأصبح التجسس الذاتي قاتلاً يمنع على الفرد استخدام عبقريته بالت?كير، فنحن نمر بمنعطف وجودي خطير يحتاج منا جميعا التعاون لتحليل المعطيات وبناء المخططات القابلة للتنفيذ على أمر الواقع، بعيدا عن فضاء واسع مليء بخطط ترسم في الخيال وتشاهد في الأحلام، تستنزف منا مقدراتنا، على أن نتذكر بأن التاريخ يكتب ويدون بلغة المنتصر مهما اختلطت الحقائق؛ شهود الزور يبصمون.
الأردن بمساحته وإمكاناته جزء مهم من هذا العالم؛ حقيقة راسخة غير خلافية، استطاع المحافظة على استقلاله ليمثل القلب والرئة، يمتلك بوصلة ضبط الأحداث على المستوى الإقليمي والعالمي، يقف على مسافة واحدة من التحالفات دون الانحياز أو التدخل، ينتهج سياسة معتدلة تتصف بالعقلانية والحياد ذات الأبعاد المبنية على أسس العدالة، نال وسام الاحترام العالمي بكل المناسبات والأحداث، قادر على صناعة القرارات وصياغتها بما يتوافق والقانون الدولي، لديه من الثوابت التي منحته الثقة على جميع المستويات بالرغم من تعرضه لبعض الضغوطات بهدف ?لاستقطاب والانحياز مقابل مغريات وتسهيلات مبطنة؛ كل ذلك لم يؤثر بالقرار السيادي لأنه قرار مؤسسي مبني ضمن قواعد راسخة، ساهمت ببناء الدولة الأردنية ومكانتها الموقرة بين دول السيادة والقرار العالمي، فحضوره الدولي يتعدى حدود المساحة الجغرافية، لأنه صاحب الرصيد الأقوى بانتماء الفرد وعطاءه.
التسهيلات الحياتية التي قدمتها الثورة التكنولوجية ليست مجانية أبداً؛ حقيقة مؤلمة يصعب حصرها، فهناك ضريبة على الخدمات التي تخدم مصالحنا على أي مستوى، وليس بالضرورة أن تكون مادية مباشرة، وأخطرها على الإطلاق تلك الخدمات التي توفرها منصات التواصل الاجتماعي التي تتنافس بمجانيتها لدرجة مغرية ويصعب محاصرتها أو تحييدها أو هزيمتها، فالتلفون المحمول مثلاً بشريحته الصغيرة يمتلك أسرار صاحبة المعرضة للقرصنه والتهديد والابتزاز، وربما الأيام حُبلى بفرضيات المستحيل التي ستأسر العقل البشري، فالمؤسف بعالم اليوم تغير الشعارا? بالرغم من صياغتها بحروف ومعان تصنع الفرق؛ الجميع يطالب بالمساواة والحرية والسلام والاستقلال وغيرها من المبادىء التي تمثل جوهر الحياة، شعارات مثالية وضامنة والجميع يدعي حرصه على تطبيقها ومحاربة المارقين على تنفيذها، ليقفز السؤال بمنطق الواقع: إذا كانت هذه الأهداف مشتركة لسكان البشرية ومطلب مشروع للجميع منا، فمن الذي يخالفها لمعاقبته؟ سؤال ليس بريئا برسم التفسير.
المحافظة على الأردن القوي المستقر يعطينا المناعة ويمنحنا القوة ويؤهلنا لاحتلال المراكز المتقدمة في التصنيف؛ العامل المشترك بين الجميع بدون اجتهاد أو تضارب بالتفسير، لأنه الدرع الواقي لوجودنا والأرضية الخصبة لزراعة أمانينا، التي سنرويها بالقول والفعل والحسم؛ الأردن القوي المستقر، قبلة السلم ومحراب السلام وعلينا العمل لزيادة مناعته وللحديث بقية.