من هناك.. ومن بعيدٍ، يُبرقُ رعد كلُّه فزع وهلع، ونسمع أصواتَ الاستغاثة فنظنها من مستضعفين جرّاء احتلالٍ غاشم، أو حربٍ شعواء أو نزاع قتاليّ يبدد الدول ويمزق الشعوب، وإذا بالأصوات مصدرها قاع البحار، وتلالُ الغابات، وجوانب الطرقات، وأعماق البشر من أمراض سرطانية ونحوها، تحذّرُ وتنذرُ من «كوارث البيئة» التي أصبحت ملوثةً والنداء إليكم يا أبناء الكوكب، في يوم البيئة العالميّ.
وحيث إننا في بلدٍ ينتمي إلى دينٍ سماويٍّ حنيف، ووطنٍ له جذورٌ تمتدّ بنا إلى أعماق التاريخ، ودولة القانون تجمعنا تحت قوانين تسير بنا إلى العدل والمساواة، وقبيل أيّامٍ وقف جلالة المك عبدالله الثاني ابن الحسين، على الحالة البيئية في الأردنّ وأوعز بقفزة نحو التقدم البيئي من حيث معالجة المستجدات بأساليب تبعدُ عنا الخطر.
وقد آن أوان الإصغاء إلى نذير البيئة، وأن نعترف أننا متأخرون قليلا في تطبيق بعض القوانين، ونعترف بكلّ شفافية أننا نعاني من بعض المظاهر البيئية، التي فيها مخالفة لتعاليم الدّين الإسلاميّ، مما يعني أننا أمام واجب دينيّ يجب علينا فهمه والعناية الفائة بتطبيق جزئياته.
وباختصار نقول: (علينا واجب شرعيّ في المحافظة على البيئة، وأنه مأجور بالثواب والحسنات من يحافظ على البيئة من «أنواع التلوث» وأنه آثمٌ شرعًا من يخالف أنظمة البيئة). كما أنّ الكلام الشرعيّ يسوقنا إلى ضرورة نشر الوعي الدينيّ بين الناس في المجال البيئي، وهو مما تحاول فعله وزارة الأوقاف من خلال المنبر، بين الفينة والأخرى.
فأربعمائة مليون طنّ سنويًّا من مخلفات البلاستيك وحدها، ذلك ناقوس خطر يدفعنا إلى باب: «التعاون على البرّ»، ونبذ السخرية جانبًا، لأننا ببيئتنا نعبّر عن أصالتنا.
واليوم أسوق بعضَ الإشارات، مخاطبًا بها أُولي النّهى والألباب، والآباباء والأمهات وقبلهم أصحابَ القرار، راجيًا منهم التعامل مع النذير البيئي في أعلى مراتبه، فمن كان ذا قدرة على نشر الوعي بالحسنى فليفعل، ومن كان مدرّسًا/ مدرسةً جماعيًّا أو مدرسيًّا، فليشرع/ فلتشرع في إظهار أهمية المحافظة على البيئة في أدقّ تفصيلاتها.
ومن هذه الإشارات:
أولا: تلويث البيئة التي أقطن بها، برمي القمامة، أو أعقاب السجائر من نافذة السيارة، أو عدم المبالاة في كيفية التعامل مع الحاويات، وعدم المحافظة على البيئة المحيطة بنا، ذلك بمجموعه فاتورة ندفعها جميعا من صحتِنا وصحة أبنائنا، كما أننا ندفعها من خزينة الدولة ومخصصات الأمانة والبلديات، شئنا ذلك أم أبيْنا، هي خسارات بالملايين على مرّ السنين، ولن ينفعنا العواطف ولا المجاملات.
بمعنى آخر: إذا رأينا من يلوث البيئة وقمنا برفع شكوى ضدّه، فذلك إجراء قانونيّ وتصرّف منطقيّ، وواجب شرعيّ.
ولكن.. هل نحن مستعدّون لمثل هذه الثقافات؟. أم أنّ الأمر بحاجة إلى تعليمات وتشريعات قانونية ومبادرات من أصحاب القرار، كما في حملات «حزام الأمان'؟ وذلك.. فضلا عما يقومون به إزاء ضبط المخالفات البيئية.
ثانيا: تلويث البيئة يؤثر على الآخرين، فلا يجوز لك أيّها المواطن، العبث في المنظر العام وتسيء إلى الآخرين برمي القمامة كما تسنّى لك من حيث الزمان والمكان والأسلوب، فتلك أمور يراها الناس من بعدك، وذلك أمر خطير، فقد يدعو عليك أحدهم وأنت لا تدري، ثمّ قد يألفُ البعضُ تلك التصرّفات فتشتهر عن بلدك، وهذا يؤدي إلى دمارٍ بيئيّ أولا، وتأثير على سُمعة بلادك التي تعيش بها، أم أننا ألِفنا كلامَ الهزَل في كلّ مواطننا وتعليقات سخيفة أودت بنا إلى تقطيع الأوصال بيننا وبين تاريخ أجدادنا الذين كانوا أكثر حرصًا منا على «كسرة ا?خبز» وتراب الوطن وهوائه العليل؟. فكفانا استخفافا بمقدّراتنا كفانا، ولنبدأ اليوم لنمتنع عن أيّ ظاهرة تخلّ في بيئتنا.
وللحديث بقية.
agaweed1966@gmail.com