كتاب

ورحل علي الفزاع.. الأيقونة الوطنية وحارس الكلمة والحرف

للمرة الأولى التي أحاول فيها انكار الواقعية وتحويل منعطفاتها للخيال أو الوهم عندما سمعت خبر رحيل شاعر الوطن وأديب الأردن المبتسم، الفاعل الصامت في محراب البناء، الشاعر الكبير علي الفزاع العواملة؛ رحل بصمت كعادته في سلوكياته، لم يكن عاشقا للضجيج أو الصوت المرتفع، وحذف من قاموس أفعاله استخدام مقدراته الوظيفية وسلطاته كونه ابن القصر منذ عهد المغفور له الحسين بن طلال، ليكمل مسيرته بالعمل في جميع مراحل المملكة الخامسة، فقد كان المستشار الإعلامي الأمين الغيور على مستقبل هذه الدولة النامية، بحضوره، الكلمة تعطي أ?ثر من معنى ليجسدها وينسجها على أنغام وطنية بعيدة عن التعصبية والأنانية.

تعرفت لمعالي علي الفزاع عن طريق صديق قريب سمع مني تفاصيل مؤامرة تعاون على نسجها شرذمة من الحاقدين في السلك الأكاديمي؛ غيرة ونميمة وحسد، بالتعاون مع بعض أفراد الطبقة االمتداولة بتراب الفلوس، لأكون بين ليلة وضحاها في قفص الاتهام بلائحة تصنع مني بطلا قوميا، موقوفا عن العمل بكلية الطب في الجامعة الأردنية، وكذلك عن ممارسة الاختصاص بمستشفى الجامعة الأردنية بجرعة ضغوط تدميرية مكثفة لردم المسيرة والحلم، لا لذنب مرتكب، بل لشعبية وعطاء مقتضب، ليبدأ سجال المحاكم الذي يستنزف السنوات خصوصا بين خصم متضرر على مستوى الفرد? وبين مؤسسة وطنية كبيرة لم يمثلها أحد لتكون النهايات بمسياتها براءة غير منقوصة، ولكن تنفيذ الأحكام يحتاج لصفائح عمل وطول بال غير المستخدم بالمحاكم، وما بين خذ الورق وأحضر الورق، كانت جلسة مع صديق مستمع والذي استأذن بالتدخل لمصلحة الحق، ليخبرني بأن هناك ترتيب قد أجري مع معالي علي الهزاع في منزله بعد غد لشرح القضية والمرور على بيناتها وظروفها. كنا بالموعد وجلسنا في حديقة المنزل، يتحدث الينا بعظمة وكبرياء، ارتشفنا الشاي الأسود وطلب مني الاختصار بالحديث ما أمكن، فلخصت القضية لمربطها القاتل من طقطق للسلام عليكم? فهز في رأسه واعتلت ابتسامته محياه وهو ينفث على سيجارته، ليعلمني أن العدل اساس الملك والحياة، والخير قادم، فأنتظر دون تحديد خطوة وهدف.

بحدود الساعة العاشرة صباحا من اليوم التالي، تلقيت اتصالا هاتفيا من معالي رئيس الجامعة يطلب مني الالتحاق بالعمل فورا ودون تأخير، بل وتجاوز كل المعيقات في السنوات السابقة، لأن العهد الجديد قد أقسم على جعل الجامعة منارة علم ومحراب سكينة، لن يُظلم فيها أحد، واتصلت بمعاليه لأخبره ليبادرني بتهنئة العودة لأنني على حق واتفقنا أن نلتقي عبر وسيطنا المحبوب. حكايتي تجسد علي الفزاع القاضي والمحامي، الأب والمعلم، الوطني والغيور، الصامت الناطق، المخلص الوفي؛ لم يتردد بسماع شكوى من شخص مظلوم حتى بدون سابق معرفة، لم يتبرع ?اسناد نقاط التقصير بالأداء، بل احترام القرار القضائي ونذر بذاته لتطبيقه احتراما لدولة القانون، وما بين تلك العودة حتى اليوم هناك سنوات سطرنا فيها حكايات وطنية بالرغم أنه من المقلين بالكلام وهو من دائرة المقربين لجلالة الملك، لكنه الحافظ المخلص المبادر للتهنئة بصباح يوم العيد أو لنجاح معلن، والقينا بمرات يمكن تعدادها ومناسباتها، فكان صاحب الحضور البهي المتواضع، لا يتغير، يقبل ولا يشترط، كتوم الكلمة ومعبر الابتسامة برفقة صديقته القريبة «سيجارته» التي خانته بالرغم من إخلاصه لها.

معالي علي الفزاع: سيقولون عنك انسان عاقل وصالح فقط عندما لا تنتقد ما يعتقدون، عندما تكون نسخة منهم، فالناس لا تتصالح أبداً مع من يريد أن يكون نفسه، ويملك مصيره بيده، لأنه يهدد ذلك الاستقرار وتلك السكينة التي صنعوها لطالما كان الانتماء هو مكافأة لمن يتنازل عن حقه في التفكير، لكنك كنت المحق بتعديل نظريتهم واستحقيت وسام الاحترام لذاتك، فجئت أبكيك اليوم لعلي أنفس عما يدور بداخلي لأكتشف أن مراسم الحزن والتعبير بعفوية وذاتية، فالعيون نزفت دما غاليا لم يتواقف وقد حجب الرؤية، والفلب أدمع رذاذاً جوهرياً يروي الأمل ?مقابلة أو اتصال حتى في عالم الصعب المستحيل، فالموت حقيقة غير خلافية ونهاية حتمية لكل منا، غير مرغوب فيها بالتاريخ والموعد؛ الحقيقة الثانية بعالمنا والتي يتساوى فيها الفقير مع الغني، نرفضها بعنف ونرفض الحديث عنها، نقومها ونتقرب من الخالق عندما تهددنا جحافلها، وربما نفتح كنز مدخراتنا لصرف مبرمج لشراء أسهم خسارة صحية ضحينا بها بغير ميعاد، فكم ستمر علينا لحظات حزينة حينما نفقد اعزاء علينا ونصمت كثيرا وتموت الكلمات حين لم يعد لها مكان في الرثاء، لكننا نتذكر ان الوفاء لمثل هؤلاء الاعزاء يحرك بنا المشاعر لنسجل ما?غمرونا به من امل ووفاء وعطاء.

اليوم يفقد الاردن رجلا من رجالاته الذين كانوا اكثر التصاقا بالارض والتاريخ والتراث وسيدا من سادة بيوت الكرم والعز والحكمة، لروحك الرحمة ايها الصديق وأطيب التعازي للاهل والاخوة في البلقاء الأبية، سلط العز والشهامة والرجولة، فقد حمل شاعرنا الفاضل وحارس اللغة الأمين، رسالة طموح وحلم لفئة مقدرة من أبناء الفلاحين ذات الظروف المقننة بمرافد التسهيلات، ارتوت أرجله عطشا من المسير، بدأ مشواره وأنهاه بتعليم الأجيال ليسطر ملحمة تربوية وتعليمية، لا تعترف باليأس والصعب والمستحيل، يُشهد لها بكل المحافل والمناسبات، حيث كا? لقائي الأخير قبل سنوات في مستشفى الجامعة الأردنية بزيارة كريمة ومفاجئة منه، تبرع بترتيبها أحد الأقارب لظرو ف خاصة، وربما اتصاله التلفوني الأخير للمعايدة قد منحني بعض الأمل للقاء لم تكتمل فصوله. أمثالك يرحلون تاركين لنا أماكنهم شاغرة لا يملؤها أحد سواهم، يأخذون معهم جزء من الروح، ويتركون لنا الحنين والذكرى، وحين يأتي الفراق، يتوقف كل شيء من حولنا ويمضي العمر بخطى ثابتة. نحاول ـن نتعايش بدون وجودهم مع أنهم يحيوا بداخلنا، نذوب في العالم من حولنا لكي ننسى أنهم رحلوا، وليت النسيان كان ضيفا يأتينا حين ندعوه للم?يء، فكيف لقلب مليء بالذكرى والحنين أن يوجد فيه مساحة ومتسع للنسيان.

معالي علي الفزاع: أودعت غراسك الأرض ورحلت دون انتظار، قلت كلماتك دررا ودستورا حتى يومنا؛ لم تنتظر الجواب لأنك الأب والمعلم الحريص على بذور انتاجه، إتكأت على سِفرٍ من الموداتِ والخلق، فَجَمَعْت السجية والمروءة والمودة، لتجعلها دستورا بكلِ فخرٍ وودٍ وأريحيةٍ، فسكنت بمرحلة التقدير لمن عاشرت وعلمت، ولكن غيابك عن عالمنا اليوم والذي لا مناصَ منه، أكمل بنا عقد الموجعات التي تنتابنا واعتام الموت أفضل الكرم، وبدأنا نندم على تقصير عفوي بوقت مضى، واسف وحزن على تقييد، وربما أنني لن أسامح نفسي على موعد سابق لم نلتقيه و?سوف أكتب عنك أخي علي مخاطباً وللحديث بقية.