ترددت كثيرا قبل أن أكتب في هذا المجال حيث وددت أن أكون موضوعيا، فبحثت عن ادلة هدر الدواء وفقدانه، متسائلا هل الهدر هو السبب في الفقدان، ومن المسؤول عن الهدر؟ وزارة الصحة ام المواطن؟ اسئلة كثيرة كانت تراودني كلما هممت بالكتابة حول الموضوع إلى أن توصلت الى حل إعتقدت أنه الاكثر عدلا وإنصافا، فقد قررت أن أعيش التجربة، ولما لا؟ فلدي بطاقة تأمين صحي مدني وأعرف كثيرا من الزملاء الاطباء العاملين في المراكز الصحية الشاملة، و جلهم من أطباء الاسرة الذين إما اشرفت على تدريبهم أو شاركت في امتحاناتهم في المجلس الطبي الا?دني، كل هذا دفعني للتسجيل في أحد المراكز الصحية القريبة من منزلي مما يتيح لي تجربة التردد وصرف الدواء من المركز وفرصة أن أوفر فاتورة الدواء البالغة 38 دينارا شهريا وأن لا أكتفي بما يقال والذي لا يقل أهمية عن المخرجات المتوقعة للتجربة، فقد ذهبت الى أقرب مركز صحي شامل من سكني واخترت اخصائية طب اسرة لاكون ضمن قائمة مرضى الامراض المزمنة وهي الضغط، السكري، ارتفاع الدهنيات ومؤخرا القلب العليل، وبعد ثلاث زيارات للمركز الصحي كانت النتيجة ثلاثة أدوية من أصل خمسة غير متوفرة ودواء واحد متوفر ولكن بجرعة تختلف عن الجرع? التي أتناولها حيث كان علي أن اقسم حبة الدواء بالسكين وهذا يتطلب أن البس نظارات طول النظر وأن ابحث عن سكين غير مؤذية عند (ذبح) حبة الدواء من جرعة ال 25 ملغرام لان حاجتي كانت 12.5 ملغرام، ومع مراعاة كل الاحترازات ومنها دير بالك تعور حالك، فقد جرحت اصبعي عند جز عنق حبة الدواء بالسكين، أما حبة الضغط وهي من النوع المركب فكنت مضطرا أن اتناول حبتين بدل الحبة ومرات كثيرة كنت أنسى ذلك.
سافترض حسن النية بانني لم أكن محظوظا في ترتيب مواعيد الزيارة لطبيبتي، أي أن زيارتي كانت تتزامن مع نفاذ طلبية الدواء الشهرية، وحيث انني عضو في مجموعة واتس تتألف من ما يزيد على مائة وخمسين طبيب أسرة فقد أرسلت سؤالا واحدا فقط لاعضاء المجموعة و استحلفتهم بالله أن يصدقوني القول، كم مرة أخبرك مريضك ان الدواء غير متوفر؟ كان جواب الاغلبية: في أكثر الاوقات أكثر من دواء غير متوفر.
لعل من أسباب هدر الدواء وأكثرها شيوعا هي الطلب الزائد عن الحاجة، عدم وجود سياسة للتدوير والاستفادة من الفوائض، التغير المتكرر للبروتوكولات العلاجية وازدواجية صرف الأدوية من أماكن متعددة بالاضافة الى بعض الممارسات الخاطئة عند تعبئة الدواء بأحجام تفوق الكمية اللازمة للفترة العلاجية.
أما انقطاع الدواء، فقد يعزى الى غياب سلاسل التزويد الفعالة والكفؤة في بعض المرافق الصحية و تدني مستوى الوعي الصحي لدى العاملين الصحيين والمواطنين فيما يتعلق بأهمية الاستخدام الأمثل والرشيد للدواء، فتوفير الدواء ليس الهدف الوحيد، إنما يجب أيضا توفير الأدوية الفعالة، و ضرورة تحديد قائمة بالأدوية الأساسية التي يجب أن تكون متوفرة بشكل دائم، وضمان وصولها إلى مستحقيها بعدالة ودون إجراءات يمكن أن تعرقل وصولهم إليها.
يعتبر الحد من هدر الدواء من أصعب التحديات التي تواجه القطاع الصحي، ويعزى هذا ربما إلى تمرير الأدوية وبأرقام كبيرة تفوق حاجة الاستهلاك، وهكذا تتكدس الأدوية في المخازن، مقابل ذلك يكون الرصيد لمخزون بعض الأدوية المهمة صفرا، وهنا يبرز معيار الضبط في هذه المسألة.
أمين عام المجلس الصحي العالي السابق
ان العناية والتركيز في طلبيات الأدوية بات أمراً ملحاً في ظل تراكم الأدوية المنتهية صلاحيتها، في حين الاتكاء على الإحصاءات من واقع المعدلات الاستهلاكية للأدوية وعبر برامج الكمبيوتر المتطورة والاستعانة بالخبرات الصيدلانية المؤهلة سيحد كثيراً من هذا الهدر، في الوقت الذي ينبغي أن يكون التعامل مع الدواء وفق معيار الكيف لا الكم وفي إطار الاعتماد على مخرجات الحاسب التي تسهم في رصد معدلات الاستهلاك بشكل موضوعي وغير مبالغ فيه، أي أن الطلب هو التقليل من الفائض أو بالأحرى السيطرة المحكمة على الفائض، فوجود الفائض أمر ?ا مناص منه، غير أن المقارنة بين الحاجة والطلب، ينبغي أن تتكئ على نوعية الأدوية المطلوب تأمينها واستثمار العائد من تقليل قيمة الفائض في دعم القنوات العلاجية الأخرى، وإعداد الدراسات الإحصائية الدقيقة الملائمة، والاعتماد على نتائجها كأحد العوامل التي ترفد خطة الطلبيات والتقليل من الفائض قدر الإمكان، فهدر الدواء مسؤولية مشتركة بين القطاع الصحي والمواطن، ولا يمكن أن يكون المواطن هو المخطئ دائما.
خلاصة القول، للحد من هدر الدواء، لا بد من التخطيط والإدارة الجيدة للمخزون الدوائي والاستخدام المتوقع، وتفعيل عملية تبادل الأدوية الراكدة والزائدة عن الحاجة بين المستشفيات وبين المراكز الصحية، ولا بد من وجود ملف طبي موحد يمنع ازدواجية صرف الأدوية وضرورة تعبئة الأدوية بأحجام مختلفة تتماشى مع الخطط العلاجية قدر الإمكان والدقة في صرف الأدوية بالكميات المناسبة للخطة العلاجية للمريض.