كتاب

«أبَاش..»

«قوس قزح»، هي إحدى أساطير الهنود الحمر القديمة. فحين ضاقت الأرض، وتعرّضت إلى جفاف شديد، جفّت فيه البحيرات والأنهار، وذبلت الأشجار والزهور، ظهر لزعيم القبيلة ثعبانٌ بحراشف خشنة. وطلب منه أن يقوم بقذفه إلى السماء عالياً، كي يتمكّن من كَشط بعض الماء والثلج المَخزون هناك. أمّا زعيم القبيلة، فقال: إنّ هذا العمل ليس من أعمال الثعابين، ولكنّه قذف بالثعبان عالياً نحو السماء، أمام إصرار الأخير. وحين انطلق الثعبان من يد الزعيم، تمدّد جسمه، وتقوّس ظهره إلى الأعلى، فتغيّر جلده نتيجة لتغير حجمه، فأخذَ جلدُ الثعبان بالت?دّل من أحمر إلى أصفر إلى أخضر، ونزلت الأمطار.

هكذا تفسّر أسطورة الهنود الحمر خروج الحيّات والثعابين من جحورها كلّما نزل المطر، في الأيام المشمسة، احتفالاً بتجدّد الحياة والمطر وقوس قزح.

في المشرق، مشرقنا، المستباح، تشكّل استعادة الأسطورة المحليّة عبئاً على الراهن، وذلك بطبيعة الوعيّ المهيمن على الأذهان، حتى اللحظة على الأقل. وعلى الرغم من ذلك، فهذا مشرقٌ لا يخونُ ذاتَه. فالمشهد، برغم فداحته، هو انتهاك لفائض قوّة ولجبروتها. هَتْكٌ لوقاحة قوة بوسائل بدائية. انتصار بدائيٌّ، لا يرغب في الإبهار، رَخاءٌ مطمئن، امتطى، بخيال مضاف، قوافل حرير المشرق، فتعثّر على ظهر أول سنام!

مَبهورون. يُدهشنا كلُّ مظهر للوجود الكريم للإنسان المعتزّ بنفسه وكيانه الراهن. فكلّ اختبار لهذا الوجود يعيدنا إلى «البيداء..»، حيث يشعر العربيّ، عندها، بأنّه كان حصاناً، ومنذ لحظة الولادة. ويبدأ، بعدها، الركضُ المحمومُ، في الأفكار والمُمكنات، وبلا عقال أو قيود. ليعود الحصان المُنهك، والمَعروق، بعد الركض الطويل، إلى التشكيك في الآخر، أيّ آخر، كسبب لفشل الحصان، فيما كان يمكن أن يفعله، بركضه المنفلت في الريح. وتلك كانت أول أسرار «داحس والغبراء الخفيّة..»!

صوتٌ بعيد، لا أعرف من أيّ «فجّ عميق» يأتي، لكنّه واثق ورصين، فيقرّر بثبات قائلا: اهدأ يا صاحبي. وتعلّم: عجوزٌ هنديةٌ حمراء، اسمها «عيونُ النَّار»، هي من تنبأت لقبيلتها، وفي زمن هزيمة قومها، ورَوَت لحفيدها، بأنه سيأتي زمن تؤدّي فيه شراهة الرجل الأبيض إلى استنفاد موارد الكون. ولكن، وقبل فوات الأوان، ستعود الروح العظيمة للهنود الحمر، لتبعث الشجعان، وتعلّم البيض احترام الأرض. وهؤلاء الهنود العائدون سيعرفون بـ«محاربي قوس قزح». أسطورة استعارتها منظمة السلام الأخضر العالمية شعاراً لها..!

بالبداهات البسيطة، ينفُضُ المشرق عن كاهله بعض أوهامٍ مضلّلة. وببطءٍ شديدٍ، يستعيد المشرقُ طريقَ حريره. وبعيون النار يستردّ قوّة ضعفه. أما القوّة الغاشمة، فلا يتبقّى لها سوى صفة «السَفَلَة»، وهي المعنى الإسباني لكلمة «أبَاش». تلك التي تحوّلت إلى اسم قبيلة هندية حمراء، اشتهرت بالعَدْوِ والقَنص، واستعارها الأميركيون الجدد اسماً لطائرة «الأباتشي».

قد تخون الأشياء والمقادير ذاتها لأمد، غير أنّ هذا المشرق عَوَّدَ التاريخَ بأنّه إن فعل فإنّه لا يستمرّ في فعل ذلك إلى الأبد..!

fafieh@yahoo.com