رؤية عربية أردنية ملكية فاحصة ومعمّقة قدمها جلالة الملك عبدالله الثاني خلال خطابه الشمولي الجامع الذي ألقاه في اجتماع القمة العربية في دورتها العادية الثانية والثلاثين في مدينة جدة في المملكة العربية السعودية الجمعة، ارتكز فيها جلالته إلى أهمية تفعيل العمل العربي المشترك واستغلال الوقت والفرص المتاحة مؤكدًا حفظه الله أن الأردن كان على الدوام وسيبقى جزءًا فاعلًا من أمته العربية، ورافدًا أساسيًا من روافد العمل العربي، يسعى باستمرار لتحقيق الوفاق والاتفاق، وقيام علاقات من التعاون البناء بين جميع الدول الشقيقة، وتجاوز جميع أسباب الخلاف والاختلاف، انطلاقًا من وحدة الهدف والمصير المشترك.
فلسطين وسوريا والعراق، ثلاثة محاور جاءت ضمن ثوابت خطاب الملك الذي كعادته لا بد وأن يعيد التأكيد في مثل هذه المناسبات على حقيقة مركزية القضية الفلسطينية للأمة العربية مكررًا نداءاته التي تقوم على الوضوح والمكاشفة بدعوة الدول العربية وقادتها لبذل كل جهد ممكن لدعم قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من حزيران لعام سبعة وستين، فضلًا عما يقوم به جلالته من جهد سياسي ودبلوماسي فيما يتعلق بثني إسرائيل عن محاولاتها التي تريد من خلالها تغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم في القدس، وبذلك نقرأ قوله في الخطاب » وليس هناك أهم بالنسبة لنا من احترام الوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، المدينة المقدسة التي نكرس كل امكاناتنا من أجل حمايتها والحفاظ على هويتها العربية الإسلامية والمسيحية».
وأما جانب الخطاب الملكي فيما يخص سوريا الدولة العربية الشقيقة فقد كان جلالة الملك معبّرًا عن حقيقة الموقف الأردني الذي تمسك به منذ بداية الأزمة التي حذر مرارًا من استمرارها لما لها من تبعات ونتائج ودفع خلالها الشعب السوري ثمنها غاليًا مشيدًا إلى عودة سوريا للجامعة العربية كخطوة يأمل الأردن والعرب أن تلعب دورًا مهمًا وتسند جهود إنهاء الأزمة.
الأهمية الأخرى التي انطوى عليها خطاب جلالة الملك عندما ذكر العراق الشقيق صراحة، ترجمة لرؤيته وتقديره لحجم ومكانة العراق كدولة عربية الجميع معنيٌّ باستقراره كبلد له تاريخه وحضارته ودوره في الدفاع عن القضايا العربية ضمن إطار المحيط العربي وهنا جاء إعراب جلالته عن أمله وتطلعاته في البناء على مؤتمر بغداد الأول ومؤتمر بغداد الثاني في تعزيز التعاون الإقليمي مع هذا البلد العربي الكبير بكل ما يعنيه العراق.
اللافت الآخر في خطاب جلالة الملك تجلّى عندما حمّل جلالته الجامعة العربية في العمل على تعظيم أسس ومبادئ التعاون الاقتصادي بين الدول العربية كي تكون قادرة على مواجهة التحديات الماثلة والضاغطة في الوقت نفسه والتي تحول دون القيام بتنفيذ برامج ومشاريع التنمية الشاملة، وما تذكير جلالته إلى آلية التعاون الثلاثي بين الأردن ومصر والعراق والشراكة الصناعية التكاملية لتنمية اقتصادية مستدامة تضم الأردن والإمارات ومصر والبحرين، إلا تعبيرًا عن رغبة جلالته بأن تصبح مثل هذه النماذج قابلة للتعميم لتشمل الدول العربية جمعاء.
خطاب ملكي في توقيت بالغ الأهمية ألقاه جلالة الملك القائد العربي المناط به مسؤوليات لا يمكن التقليل من ثقل حجمها وأعبائها وهو العارف والملم حفظه الله بما في عنقه من أمانة هاشمية تاريخية إزاء مجمل قضايا الأمتين العربية والإسلامية شأنه في ذلك شأن أجداده رحمهم الله وأطال في عمره