الأردن القوي عنوان ومحتوى؛ يترجم المعنى الحقيقي للواقع الذي لا يقبل التفسير أو المزايدات أو القسمة والتحليل؛ ثمار جهود وتعب عبر مسيرة ممتدة، دخلت بمئويتها الثانية، وسيط لهيب من الصراعات والتحديات والمراهنات، التي حاول البعض في مراحل زمنية معينة من المقايضة عليها أو رهنها، فالعبث بمقاطع الثبات والقوة هو هواية للبعض يمارسها في الداخل أو بالوكالة كمهمة مقبوضة الأجر، يتلذذ بالغوص في أعماقها دون وعي لعواقب الاقتراب أو مقارنة بمواقف هشة مشابهة، تحديدا بعد أن اصبح الإنحراف عن زاوية الالتزام والحرص الوطني يمثل للب?ض سلوكا ومنهاج، بل شكلا من أشكال الحرية والبطولة ضمن مساحة إعلامية فرضتها الأيام بدون رقابة أو تنظيم، يتخلله محاولات السبق بتسجيل المواقف للعديد من الأسباب التي يتقدمها وجود مساحة كبيرة من الحرية للتعبير غير المسؤول أو المنضبط، عبر إيقاع نغم القدرة على الحكم والتحليل.
الأردن القوي واقع لا يحتاج للبرهان أو الدفاع عن هذا المنجز، بل يحتاج للإجماع الوطني بالمحافظة عليه ضمن رؤى الاجتهاد للصالونات السياسية الحاضرة اليوم على مسرح الحياة الحزبية بعد التعديلات الدستورية التي منحت ووفرت الفرصة لمختلف الفئات العمرية بالعمل تحت سقف العنوان الوطني، بعيدا عن سلوكيات التشكيك والتجريح والإقصاء، فاختلاف زوايا الرؤية الصحيحة يحتاج لقدر من الدقة والدراسة التي تعتمد احداثيات الواقع، لتبني عليها اليوم لغد أفضل، دون التمسمر خلف جدار احتكار الحقيقة والصواب، فالأمور نسبية في ميزان الواقع، يمكن?تعديلها أو توفيقها ضمن المستجدات الحاضرة أو المتوقعة، لتتناسب مع الطموحات التي تترجم الآمال وتجعل من أحلام الأمس، حقيقة تمارس طقوسها وسط فرحة الانجاز؛ باقة الزهور الجميلة منسقة بحرفية وتحتوي زهرة من كل بستان ولون.
الأردن القوي اليوم يحتل قلب المنطقة وحافظ بوصلة الضبط فيها، نتيجة حتمية لسياسة الاعتدال التي ينتهجها، يتزعم الدبلوماسية العربية نتيجة تبنيه سياسة الانفتاح والاستماع للجميع بدون تشجنات خلف قضبان الحقيقة والادانة، يمارس دوره القومي بمحيطه العربي الأشمل ومحيطه الجغرافي المتمثل بحدوده المشتركة والقريبة من دول عدم الاستقرار، فدبلوماسيته لم تهمل الواقع العربي أو تفسره بما يناسب طموحات البعض؛ جميع الفرقاء يدعون امتلاك الحقيقة، لكن الفنون الدبلوماسية بالتعامل تحتاج لحصافة وتوظيف خبرات تعمل على تقارب الأطراف لخطوط ?لتفاهم، لنسج أطروحة جديدة تحتوي في باطنها على جميع متطلبات الأطراف، لأن لغة السلاح بين الأخوة هي لغة صماء فاشلة، لم يكتب لها عبر التاريخ أية درجة نجاح أو انجاز؛ الأوطان تبنى ويحافظ عليها بهمة أبنائها مجتمعين، وبما أن التاريخ هو أصدق شهود الواقع، فعلينا أن نتذكر موقف الأردن القوي من حرب الخليج بشتى مراحلها، اندلاع ثورات الربيع العربي وما رافقها من عنف اجتاح أقطار عالمنا العربي وخصوصا في سوريا واليمن وليبيا؛ الحلول دخلت في مخاضات صعبة ومؤلمة، والحلول جاءت متأخرة، لكنها تتبنى الطبعة الأردنية بالمحتوى والفكرة،?لأنها نابعة من بئر الحرص القومي والوطني الذي يحارب التشتت والتشكيك، يؤمن بقدرة لم الشمل الكفيلة بزيادة عناصر القوة ومضاعفتها، شريطة تصفية النوايا والتقارب المبني على أسس المحبة والأحقية بالتساوي.
الأردن القوي يحتاج منا اليوم وأكثر من أي وقت مضى للمساعدة والتكاتف والتقارب بهدف أوحد على تجاوز هذه المرحلة الدقيقة، مرحلة الاختبار الحقيقية للنوايا التي تمنع على أي كان فرصة الاحتكار، أو التفرد بصواب الرؤية أو فرض وجهة النظر مهما كانت درجة نقائها، خصوصا وسط هذه الدرجة الحماسية من التزاحم بين الأحزاب لاستقطاب العدد الأكبر من المنتسبين الذين يدخلون الحياة الحزبية للمرة الأولى بعد زوال الضبابية في طريقهم؛ اختلاف البرامج واللغات يجب أن يكون مجردا ولا يمثل نقاط تراشق وتخوين؛ الحقيقة المجردة لم تكن ملكا لأحد عب? التاريخ، بل هي ابنا شرعيا للاجتهاد وتولد من رحم التجارب والأيام.
الأردن القوي اليوم يحمل على عاتقه مستقبل أمة كاملة ضمن فترة تاريخية وزمانية حرجة، ستشكل الفرق المستقبلي للمنطقة والعالم، وايمانه المطلق بأهمية العمل الجماعي ضمن أحلاف ورؤية ستمكنه من تثبيت الحقوق لأصحابها، اعادة الفاقد منها، بل ستعيد الهيبة للمد القومي العربي بعد فترة التشرذم والسبات؛ الوحدة تصنع القوة، والنوايا تمنح المناعة، وللحديث بقية.