والدي الحبيب: الكثيرون يسألون عنك وماذا كانت وظيفتك؟ ليكون الجواب الأوحد: والدي؛ أحدثك اليوم بعد صمت من الأيام التي زعمت أنها كفيلة بترطيب صفحة الشعور التي تركها رحيلك، مساحة كبيرة من حياتنا تحتاج منا للتدبير، فراغ لم نتمكن من إشغاله منذ تسع عشرة سنة، حين تعجز الكلمات عن ترجمة المشاعر بين لوعةٍ وفرح، ليجف مداد القلم في وصف حزنٍ لا يطوله حزن، برحيلك فقدنا معطف الحياة الذي وفر لنا ستارة واقية من براكين الزمن، رصيداً ومصدر الهام للقادم، لنصبح أمام واقع علينا الإعتراف بفعالياته، واقع يصعب علينا تحديد إحداثياته، محصوله فيض من المشاعر حبيسة جدران القلب، فلا بوح ولا كلام، صمت بدرجة الوفاء، ولا حتى الصمت بات يُجدي، فتخرج تنهيدة من الجوف، حارة بدفء المكان، والكلمات أسيرة لذكريات، لا تعبر عنها حروف اللغة مجتمعة؛ لغة القلب بدمعته، العين بنزفها لدماء الوفاء، واللسان بأوتاره على استحياء؛ هناك خفقات تنبض على سيمفونية الحب والعطف لمدرسة رسخت مبادىء الحياة، لسان ينطق حروفا وكلمات تتقاطع بمحتوى المحبة التي رضعناها، عين وتضاريس وملامح ترسمها الوجنات، تحكي حكايات وحكايات؛ وما بين ابتسامة وأمل، ورؤية لغـدٍ جديدٍ متجددٍ، تتوقف بوصلة الزمن، تتوه الكلمات وتتساقط أوراق الذكريات لحقيقة الواقع، الذي يجسد معنى الإنتماء واليقين، لنعترف بحالنا؛ عجزٌ عن رثاء هرم ماثل في أعمارنا كان له الفضل برصف طريق النجاح بعد كفاح وتضحيات؛ حكيما وشيخا بكل ما للكلمة من معنى ووصف، استحقها بجهاد وتضحيات، لنعيد اليوم شريط ذكريات عمرية للأسرة والأفراد، لن نسمح للزمن بطي صفحاتها بالتقادم، حيث كنت يا والدي البطل الحقيقي لأحداثها؛ مخططا وممولاً، نبراسا شامخا نهتدي به ونلتف حوله، واقع ندرك معناه، لن تطويه الظروف، لن تحوله لذكرى نستذكر فيها مناقب ومواقف، بل ستبقى الشمعة التي تضيء دروبنا لأن روحك ماثلة فينا، نستهدي بها، نستلهم منها، لتعيش فينا ما حيينا.
والدي الحبيب: أخاطبك لأستمع لنصيحة كما عودتنا، لأجد ذاتي ونفسي أمام مرآة الحقيقة؛ وأذكر بعنفوان تضحياتك وعطائك الذي توّجت به رؤوسنا نحن الأبناء والأحفاد، لأن الراحلين الى السماء يتركون شوقاً لا تطفئه السنين وذكرى لا تمحوها اشغال الحياة، لتجعل من سيرتك ومسيرتك، مرجعاً لأبجديات الحياة الكريمة، ستوثق للإستشهاد بمحتواها في العبرة والقدوة، وهي كذلك اليوم تتصدر منصات الوفاء والإلتزام، فقد عشت يا والدي مخلصا للقيم والاخلاق والأعراف التي نشأت عليها؛ مطيعا، محبا، طموحا، قانعا، مثاليات نادراً أن تجتمع بواقع شخص واحد، لكنك الرضي الوفي، الذي زرعها، فكانت وبقيت دستورا لم يحد عنه طوال العقود التي طويتها من حياتك الحافلة بالجود والنبل والعطاء، تراني عندما أستعرض شريط الأحداث للسنوات، أراهن أنني سأعود غدا لألقاك بانتظاري تمهيدا لبرنامج دأبنا عليه، ووعد قطعته على نفسي عندما ذهبت ببعثتي لأستراليا، وهناك جزء من فقرات الوعد لم ينجز لأنك المعني به، لأعترف اليوم أنني لا اتقن فن النحيب أو التعويل، بل اتقن فن التحليق عالياً للملمة فقرات الكبرياء، فلن أُسْقِطَ حلمي بالتقادم أو إنطواء صفحات الأيام، لانني ان أسقطت، سيسقط معي جيل باكمله يؤمن برسالتك بتكوين العائلة وبناء مستقبلها.
والدي الحبيب: عندما تعجز الألسن عن وصف شعورنا وتتوه الكلمات وسط هذه المشاعر، عندما يعتصرنا الحنين إلى من فقدنا ونتذكر السنين والشهور والأيام والدقائق التي قضيناها نستظل بخيمتك، حينها لا نجد العزاء إلا بالدموع التي تتساقط كحبات الجمان المتناثر، علمتنا الصبر وهو أعظم دروس الحياة حتى في أصعب ابتلاء أو امتحان ولكنك لم تعلمنا كيف لنا أن نصبر بعد رحيلك، عودتنا العمل والانتظار لترجمة الأحلام لواقع وها نحن ننتظر قدومك ولم تخبرنا أن درس الانتظار قد يكون قضبان المسير على طريق الأحلام لتجعلنا بمحبة بأن نتمنى أن ترجع بنا السنين إلى تلك الأيام حيث تركتنا بصمت وهدوء بغير موعد بعد أن غمرتنا منذ طفولتنا بحبك ورعايتك، وقد مرت السنوات ولكننا نستذكرك ونعيش بثوب الحزن الذي يحيط بأرواحنا فأنت لم ترحل من دنيانا وخالد بقلوبنا، لا زلنا نذكر تفاصيل ملامحك، ابتسامتك، ضحكتك، أسلوبك، صوتك، بصماتك التي لن ننساها أبدا، ولا زلنا نبحث عن الدفء بين أحضانك ونبحث عن عيناك التي تراقبنا وتوجهنا وترشدنا.
والدي الحبيب: حقائق حياتنا اليوم مزيج من الحزن والحب المتدفق في جوانحنا منذ ساعة فراقك، فوجدنا للحزن طريقاً آخر لم نسلكه من قبل ومساحة أكبر من اعتقادنا بأن لدينا مقدرة في التغلب عليها، فكيف لنا أن نبوح لمن فارقنا بمقدار ذلك الحب، عندها أيضاً تلتهب الحروف بين أناملنا حزنا وتتفطر القوافي بين أوراقنا رثاءاً، فلم نبكيك وحدنا بل بكتك معنا صنائع ما بذلت من معروف وما أعطيت من عطاء فرحلت ولمحبة الناس في قلبك الكبير مكان هو أمانة ودين بأعناقنا ووسام يزين هاماتنا، فكرمك الوطن بوسام يخلد الذين رحلوا وتركوا بصمات الخير عندما بادرت أمانة عمان بإطلاق اسمك على أحد شوارع العاصمة بمنطقة خلدا الراقية.
والدي الحبيب: في كل ركن من القلوب، هناك زاوية تحتفظ بمخطوطاتك، لا زلنا نذكر تفاصيل ملامحك، ابتسامتك، ضحكتك، أسلوبك، صوتك، بصماتك التي لن ننساها أبدا، ولا زلنا نبحث عن الدفء بين أحضانك ونبحث عن عيناك التي تراقبنا وتوجهنا وترشدنا، حقائق حياتنا اليوم مزيج من الحزن والحب المتدفق في جوانحنا منذ ساعة فراقك، فوجدنا للحزن طريقاً آخر لم نسلكه من قبل ومساحة أكبر من اعتقادنا بأن لدينا مقدرة في التغلب عليها، فكيف لنا أن نبوح لمن فارقنا بمقدار ذلك الحب، عندها أيضاً تلتهب الحروف بين أناملنا حزنا وتتفطر القوافي بين أوراقنا رثاءاً، فلم نبكيك وحدنا بل بكتك معنا صنائع ما بذلت من معروف وما أعطيت من عطاء فرحلت ولمحبة الناس في قلبك الكبير مكان هو أمانة ودين بأعناقنا ووسام يزين هاماتنا، الموت إرادة الله لا نملك شيئاً امامها؛ لكل شيء نهاية ونهاية هذه الحياة الممات، الذي يفجعنا ويعطينا فرصة لمراجعة الذات، لعلنا ندرك أن الموت لا يعطي إنذاراً، واقع يلزمنا أن نسأل عن بعضنا، فلا أحد يعلم متى سيكون اللقاء الأخير أو المكالمة الأخيرة، حيث سيكون الحضور لأدب الندم ولن ينفع، وأهمس قبل أن أنهي بأن الحفيد «موسى» يسير على الدرب بالتميز، وفاء للعهد والوعد، انتهيت وانتهى رصيد الكلام اليوم بدمعة تجمدت في القلب مع خفقة لن تطول، فلك الرحمة ولنا العزاء، نعايدك في السماء مع القديسين والملائكة والدي وللحديث بقية.