برحيل الدكتور عارف البطاينة يوم أول من أمس فقد الأردن قامة وهامة رفيعة المستوى متنوعة المجالات والاهتمامات بعدما انطوت سنوات حياته على سلسلة من المواقع والمناصب التي تسلمها أو أُسندت إليه عبر مراحل مختلفة ومهمة في تاريخ المملكة عمل خلالها بصمت تارة وعلنية تارة أخرى وفي الحالتين كان همّه الوطن والمواطن وإضافة لبنات جديدة في مسيرة البناء والعطاء مستندًا بذلك إلى عاملين اثنين هما: علومه في الطب التي تلقاها في جامعة «ويستمنستر» في لندن وتوجها بحصوله على شهادة البكالوريوس في الطب العام في العام الف وتسعمائة وست?ن، وثانيهما ما نشأ عليه من رغبة في العمل الُمدعّم بمحبته للأردن ولقيادته الهاشمية حيث كان منتميًا بصدق ويقرن انتماءه بالانجاز إذ كان قريبًا من الراحل الكبير الحسين بن طلال رحمه الله.
رحل «أبو علاء» وفي موته استذكار للحقيقة الماثلة التي تنطوي على مسألة صعوبة تقبّل فكرة غياب أمثاله بعدما شغل مساحات واسعة في حياته العملية التي امتدت لنحو أربعين عامًا ظلّ فيها الجندي وطبيب الخدمات الطبية الملكية والوزير والنائب ورجل العشيرة الذي يعمل بلا ضجر أو كلل أو تذمر ليبقى بنيان الوطن عالي الشأن ضمن أقصى طاقات وامكانات متاحة ورغم شُح الامكانات وندرة الموارد وبذلك يمكننا وصف حياته بأنها كانت حياة عريضة لا تقاس بتعداد سنواتها بقدر ما يمكن هي تُحسب بحجم تفانيه وإخلاصه وآرائه ومقترحاته وأفكاره البنّاءة ا?تي استقاها من وحي خبراته التي تراكمت لديه وتجاربه المتعددة واطلاعه على آخر مستجدات العلوم الطبية في كبريات معاهد وكليات ومراكز الطب في العالم، والتي ترجمها إبان عمله مديرًا للخدمات الطبية ومن ثم وزيرًا للصحة.
خلال عمله وزيرًا للصحة شهد القطاع الصحي تقدمًا نوعيًا ملحوظًا إذ تم إنشاء العديد من المراكز الطبية والمستشفيات العامة فانتهى من بناء مستشفى الكرك الجديد، ومستشفى الأمير علي بن الحسين، ومستشفى الأمير زيد بن الحسين في الطفيلة، كما تم البدء بإنشاء مستشفى الملكة رانيا في دير أبي سعيد، ومستشفى الملك المؤسس عبد الله الجامعي في محافظة اربد، ومستشفى اليرموك في لواء بني كنانة، بالإضافة الى توسعة مستشفى الأميرة راية في عجلون فضلًا عن إنشاء سجل السرطان الوطني وفق أحدث المستجدات التي اقتضاها المشروع، وتم ذلك بمساعدة م?اكز الاختصاص في السرطان في الولايات المتحدة، إضافة إلى تنفيذ مشروع التأمين الصحي لجميع طلبة مدارس المملكة ممن هم دون سن السادسة، وكذلك إنشاء وحدات خاصة في وزارة الصحة والخدمات الطبية لمعالجة مرضى التلاسيميا.
الدكتور عارف البطاينة أردني شهم كان حاضرًا في جميع المناسبات التي تُعنى بشأن الوطن سياسية وفكرية وكان مؤمنًا بأن حياته مرتبطة برسالة يؤديها أو دور ينهض به وإعمالًا لذلك كان يحرص على التواجد الفعّال والمشاركة في كل ما من شأنه إثراء المسيرة برأي أو مشورة أو فكرة، وفوق كل هذا كان رجلًا اجتماعيًا قابلًا للقسمة على امتداد مساحات الأردن ولطالما كان يردد في لقاءاتي معه ويعبر عن محبته لما يجمعنا في الأردن من محبة وتواد وألفة وتجانس مسلمين ومسيحيين ومن كافة أطياف اللون.
رحم الله «أبا علاء» ومن «خّلّف ما مات» وفي عائلته نموذج خيّر لصدق الانتماء والعمل لما فيه رفعة الوطن في ظل جلالة الملك المفدى.
Ahmad.h@yu.edu.jo