كتاب

الزمن يسرق سنوات العمر

نعيش حياتنا ونتغذى بالأمل للغد القادم الذي ربما يسرق جزءا مهما من أحلامنا، بل ونضع جزءا آخر أكثر أهمية برسم التحقيق ضمن جداول التجديد أو إعادة جدولة الأولويات الحياتية، ونتحسر أحيانا على فرص ضائعة عبر تقويم السنوات الحياتية السابقة أو نعتقد بقدرتها على إحداث الفرق للحاضر والمستقبل بدون دليل حسي بل اعتمادا على النتائج وواقع الحال، على أننا لا نرحم أنفسنا بتأجيل فرصة أو حدث لغد أفضل ضمن معتقدات نوظفها بفطرية أو عفوية ضمن مسار التفاؤل الذي يرصف طريقنا للمستقبل. نحن نقفز عن حقيقة مهمة أراها بأولوية وتتمثل بأن ?لعمر عندما يمضي يأخذ معه من صحتنا وقوتنا، وأن الروح مهما كانت شابة ستثقلها الحياة وتجاربها، الحياة ضيقة جداً وقصيرة جداً وبالكاد تكفي الأساسيات، والفرص اليوم قد لا تتكرر؛ منهاج الندم ليس له وجود أو تأثير بسجل الناجحين أو الذين استطاعوا فهم الحياة بأركانها؛ سنوات العمر تمضي حسب القدر ونحن نكبر مهما فعلنا، سيداهمنا المرض ومستجدات ليست في الحسبان، قد تكلفنا أو تستنزف جزءا من مدخراتنا، فليس هناك حكمة من تأجيل فرص السعادة مع النفس والعائلة والأهل والأصدقاء لمستقبل أفضل؛ المستقبل الحقيقي هو اليوم، البكاء على الم?ضي مخدر للمشاعر وتبرير للتقصير، بينما البناء على الغد والتحضير له أمر مستحب ومرحب به، ولا يجب أن يكون على نفقات ميزانية اليوم بشتى مسمياتها.

في جلسات الصفاء والتحدث مع الذات، مراجعة لصفحات الماضي وتحليل محتوياتها، نجد ذاتنا أمام حقائق توثق أحيانا بفصل إضاعة الفرص؛ نتحسر ونقول إن سنوات الماضي كانت الأحسن وليتنا، وبذات الوقت نهاب من السنوات القادمة بعد ليل مظلم وبداية يوم جديد، لأقول بضرورة تحررنا من هذه الهواجس والانخراط بالحاضر المستقبل الذي يمنحنا النصر ويغذي طاقتنا بالأمل والسعادة، يزيد رصيدنا من النجاح والمحبة، فليست الفكرة أن نشعر بالعار لأننا نكبر ونحاول أن نعيد الزمن إلى الوراء بكل السبل، أو القفز عن حاجز اليوم سواءً شكلاً أو سلوكاً، لكن ?ا ينبغي أن نقلق بسببه هو ما الذي فعلناه في سنوات العمر التي مضت، فالتجارب هي التي تصنع الإنسان، والتجارب تستغرق الوقت والجهد، ولطالما قلنا إن التركيز على الغيبيات والاعتماد على الاتكال، والتمسك بالتراث الذي شابه الكثير من التحريف والمبالغة قد بلغ شأنا عظيماً ومبالغا فيه على حساب المعادلة العلمية وإعمال العقل، وصدقية نتائج واقع الحياة، إنا لنفرح بالأيام نقطعها وكل يوم مضى جزءٌ من العمرِ، فلا نهتم في الزمن الذي يمضي بنا، ولا نعدل من سلوكياتنا وأفعالنا، وكان الأفضل أن نعي هذه الفرصة في الحياة التي أعطانا الله?إياها، لنسامح من ظلمنا ونصل من قطعنا، نريده زمناً يزيل كآبة الأشياءِ فينا، فربما لا تمر علينا هذه الساعة مرة أخرى، حيث يأتي الصباح وأنت ما زلت على قيد الحياة، ليخبرك أن هناك متسعا للحياة، للتوبة وللذكر وللعفو ولأشياء كثيرة تفيدنا قبل أن نفارق هذه الحياة.

الوقت يسرقنا ونحن في سبات الماضي والمستقبل، بدون مراجعة أو استخلاص فائدة، واقع يفرض علينا أن نضع أمامنا فكرة التسلسل الزمني، وأن نحسب حساباً للعمر الذي يمضي لأن الكلام عن أن العمر مجرد رقم ليس واقعياً ولا حقيقياً، وليست الفكرة في أن نشعر بالعار لأننا نكبر ونحاول أن نعيد الزمن إلى الوراء بكل السبل، سواءً شكلاً أو سلوكاً، لكن ما ينبغي أن نقلق بسببه هو ما الذي فعلناه في أعمارنا هذه؟ للأسف هذا الجيل عاش ظروفاً وأحداثاً تدعو للتساؤل عن جدوى كل شيء، وتجعل من السهل أن يجلس الأمر متفرجاً، ولكن لعل هذا هو صراعنا، أ? نقاوم الحياة على الهامش، أن نقدر العمر حق قدره وأن لا نفقد إيماننا بأثر كل ثانية تمر في أعمارنا، فأنا شخصيا لست مع من يقول إن الحياة قد تبدأ في الأربعين والخمسين، أو تحديد سقف زمني للبداية، بل الحياة تبدأ مع اليوم الذي ولدنا فيه، زمن ينتهي فيه الحب والإخلاص، زمنٌ يبدل الابتسامة ويسرق الفرحة من شفاه الطفل البريء، زمن نحس فيه بقسوة التناغم والانسجام، ولكن، يبقى الأمل الجميل دائماً موجود بحاضرنا اليوم على وقع أنغام صباحية ليوم جديد متجدد؛ شخصياً أريد أن أطير بعيداً عن سواد القلوب، بعيداً عن سوء الظنون، بعيدا? عن الكذب وبعيداً عن النفاق والبشر الذين يرتدون ألف قناع.

الزمن يسرق سنوات العمر ونحن ننتظر بمحطة الحاضر، مكبلون بماضٍ لئيم ومستقبل مرهون، لا فائدة من الندم، ولا ضمانة للغد؛ رصيد يستنزف وسنوات تطوى، فالعالم ملك للمتفائلين، والمتشائمون ليسوا سوى مشاهدين، وللحديث بقية.