كل مفردة هنا تستدعي تحفّظاً، وأوّلها «الخيانة والتخوين»، لكثرة ما تمّ استهلاكها وامتهانها، في ثقافتنا السياسية واليومية، خلال العقود الماضية. بل وربما كان من الأصحّ القول «من كثرة الاستهانة بالفكرة واستخدامها فزّاعة، عند العجز عن تقديم تفسير حقيقي للأشــياء». ولعلّ ما نشهده اليوم، من تزاحم «الاتصالات» العــربية مع قادة الدولة العبرية، في وقت يقــف فيه الإقليم العربي على رؤوس أصــابعه، خير دليل على ما وصل إليه الخطاب السياسي العربي من تهافت في تفسير الأشياء. إذ لا يجد الكثيرون أمامهم سوى مفردات التخوين «إيّ?ها»، لتفــسير مـا يحدث من مفارقات في رابعة النهار، وليس خلسة.
«العقيدة الصهيونية المسلحة» لا تعبّر أو تصوغ شكل كيانها الشخصي دينياً وحسب، بل تسعى وتريد إرغام خصومها وأعدائها على التحوّل إلى شكل ونمط واحد، مماثل لها تماماً، يطابقها في جوهرها التجميعي، والطارد ثقافياً للآخر غير المماثل. وهي عقيدة تتحكم في الحركة الصهيونية وفي الفكرة المُنشئة للدولة العبرية، ومن قبل إنشاء دولة «إسرائيل»، بل ومن قبل بدء الحرب الكونية الأولى على الأقل.
يصعب إنكار النجاحات التي حققتها تلك «العقيدة»، طوال المئـة عام الماضية. وأبرز نجاحات تلك العقيدة هو ما يعمّ القارة العربية، من مصائد وأفخاخ و«شِراكٍ»، رسمياً وشعبياً ومعارضات، قوامها «تخـوين»، يقوم على اتّهام وتشكيك بالعلاقة مع «العدو».
ليس معنى ذلك أنه ليس هناك «خيانات» أو «خائنين»، فبلادنا حافلة بالفكرة وأصحابها، وبصيغ وأسباب لا ترتبط بالحركة الصهيونية ومشروعها في فلسطين وجوارها وحسب. فالمقصود هنا، أن مفهوم «الخيانة»، في هزيمتنا المدويّة أمام تلك العقيدة، أخذ أشكالاً استقلّت، في وجودها واستمرارها وحركتها وأسبابها، عن مصدرها الأساسي. فهزيمة الفكرة العربية، أحلاماً وأحزاباً ونخباً، وتطبيقاتها أيضاً، بعدم تحقّق الوحدة العربية على أرض الواقع، سمحَ بتكوّن آليات تفتيت وتدمير داخلية، وتعمل بشكل ذاتي، قادرة على استبدال كل ما فشلنا في تحقيقه من ?حلام بأوهام وأكاذيب وشكوك، لا علاقة لها بالواقع في شيء. ففُرشت الأرض العربية بـ«مصائد التخوين»، ومن قِبل العرب أنفسهم، بديلاً لعمليات قهر العدو وهزيمته. ودارت رَحى «ماكينات هادرة»، لاستفزاز طاقات، كامنة ومشحونة ومعطّلة، بحثاً عن «خونة»، كبديل للبحث عن «أعداء».!
بآلية تطهّر عجيبة، عمّت مجتمعاتنا، وثقافاتنا، قوى غامضة، قادرة على تحريك الجميع، ودفعهم قسراً إلى «شراك التخوين» والخيانة، ومن دون تمييز أحيانا بين أفراد أو مؤسسات أو دول. لتنطلق بعدها «غرائز المهزومين»، بحثاً عن «ضحية خائنة»، لافتراسها، وكفى الله الأمة المهزومة «القتال» الحقيقي في مواقعه الفعلية. وحتى «عدم التطبيع»، الذي اختارته الحركة الشعبية العربية، كوسيلة لممانعة «العدو»، فقدْ فَقَد وَهجه وجدواه، بعد أن أخذ «نصف التسوية» الفلسطينية مداه، وتحوّل بأُحاديته، وبطابعه الدفاعي، إلى «مصيدة للتخوين». وتلك لعم?ي آليّة مدمّرة، لا أعرف كيف انزلقنا إليها، على اعتبار أنها حربٌ لنا، لا «حرباً علينا».
فهذا «كيان» لم يستطع حتى اللحظة أن يستأنس ذاته. ويواصل إغراء الآخرين وترويعهم، بغية جذبهم إلى «تطبيع الأقوياء»!. وفي محيط طبيعي لـ«ديانته اليهودية»، وليس لـ«هويته السياسية اليهودية»، يستمر في تشييد «وطن افتراضي مسوّر» بالخرسانة المسلحة والسلاح النووي، وعاجز بذاته عن نزع ثوب الاغتراب الحضاري، ومتمسك بـ«وحدة خرافية دينية أسطورية»، بشكل يمنعه من التأهّل الحقيقي لأبسط أشكال التطبيع السلمي، التي سيرفضها حتماً لو توافرت، بطبيعته الثقافية الطاردة.
لا تصلح «مصائد التخوين» أن تكون برنامجاً سياسياً أو ثقافياً لأحد، حتى وإن توافرت عناصرها. وإن صلحت عند أحد، فلن تكون سوى آلة تفتيت محوريّة عملاقة، لكل ما هو متماسك في حياتنا ومجتمعاتنا.
بالرغبة العمياء، يقـودون «ابن آدم العربي» إلى مصيدته. وبأشرعة «الخوف والتخويف»، يَعبُرون بالعربي «مفازات» يصعب عليه تفهّم فكرة عبورها. وما إن يصلوا به إلى قاع ما يريدون، حتى يتركوه فريسة بين براثن ما ألِفَهُ وتدرّبَ عليه من ألفاظ ومفردات، لا تقي حرّ صيف أو برد شتاء. وليس على مَن أوصلته مقاديره إلى البقاء حيّا حتى يومنا هذا، سوى التدثّر باليأس، أو مواصلة «الهتاف الخفيض» بما تعوّده في القاع السحيق.
fafieh@yahoo.com