إنها الأوطان.. يبنيها الإنسان بعرق الجبين، وبسهر الليالي، ومواصلة بذل الجَهد، وبالإخلاص في العمل، والإتقان في المهنة والصنعة، ومن غير تعب لا نتحصّل على راحة البال، ولا على تطوير الحال، ولا التقدّم في المال والمآل.
وفي زماننا تتسارع الكرة الأرضية في إنتاج التقنيات التي تساعد الإنسان في تحقيق الرفاهية، ولكنّنا في الحقيقة نفقد بعضًا من جمال التعب لأجل الأرض الذي يشعر به البسطاء على امتداد الخضراء، مما يعني أننا بحاجة في كلّ خطوة لنعرف ما نريد من الرفاهية، وحتى لا يصبح البذخ التقني هدفًا يصل بنا إلى حافة نهاية تذوّق الحياة ونحن نخدم الحياة.
فكلّما سال من جبيننا العرق فاختلط بذرات تراب الوطن فنستشعر الانتماء إليه أكثر فأكثر، فنحن جزء منه وهو جزء منا، وهكذا هم عمّال الأرض على امتدادها زمانا ومكانا، يشكلون ركيزة لأوطانهم، وكلما اعتنينا بهذه الركيزة أكثر، استطعنا الشموخ إلى الأعالي والمعالي أكثر.
ومما اتفقت عليه الأمم أن تكون لفتة كريمة في تحديد الأول من أيار من كلّ عام، عيدا للعمال، نرفع لهم القبعات، ونشاركهم الفرحة أيًّا كان موقع عملنا أو انتمائنا لهذه الأرض.
ومن الجميل في عيد العمال: أن يكون أحد رجال الأعمال بدأ حياته عاملا، فيتذكر الذين يعملون عنده، فيصلَهم بالصلات والهِبات، وعلى الأقلّ يكون يوم عيدهم عيدًا له، يشاركهم فرحتهم بتعبير يليق به وبهم، وحتى الذين لم يكونوا عمالا فأسلافهم من قبلهم كانوا كذلك.
وفي الأردنّ.. عشنا حياة جميلة مع المهنة والصنعة في احترافية ينبغي الحرص عليها، ومصداقية لا يجوز التفريط بها، ومما يجب علينا في عيدنا العمّاليّ، أن نسارع في تحقيق أعلى درجات الصدق في الأداء، وأن يكون الإنجاز هو المتعة والهدف قبل كلّ شيء.
والسعادة الحقيقية أن نستخرج من الأرض غذاءَنا، وأن نبني بالإتقان مبانينا، وأن نمهد للسلامة طرقنا، وأن نداوي الجراحات بإنسانية ودقة ومعلوماتية، وأن نخطط لأجيالنا على سبورة الدرس بأجمل درس وأنفعه، وأن نحاسب أنفسنا على صيانة المعدات قبل أن نحاسب زبائننا، وأن نكون ذوي أمانة في اليع والشراء والاستيراد والتصدير، وأن نحافظ على قدراتنا ومقدراتنا فهي أمانة في أعناقنا نؤديها لمن يأتون بعدنا.
وأما النشاط الذي يعدّ السبب الأول للسعي في طلب الرزق، فإننا إن تخلينا عنه وقعدنا نستجدي الحيطان، فلن تنتج لنا ثمرا، ولن توصلنا قمرا، ولن تخلّد لنا ذِكرًا. ذلك أنّ الهمةَ والعطاء قرينان لا ينفكّان، والله معطي ولكننا مع الأسباب نطلب منه المنَّ والعطاء.
ولأنه.. ما أجمل الساعة التي يتقاضى فيها العاملُ أجرَه!!. فهي حتما تشكّل فارقًا في حياة الإنسان وحياة أسرته، فلا يجوز بحال من الأحوال تأخير أجرته، ولا هضمَ حقوقه، ولأنّ العملَ ركيزة الوطن الاقتصادية وما يتبعها من منظومة الأمن والأمان، مما يوجب علينا تقوى الله في العمال، وعدم تكليفهم ما لا يطيقون، فالتعب الذي يبذله أحدنا يستحقّ عليه الشكر والتقدير، فضلا عن الحقوق العمالية، التي هي خطوط حمراء لا يجوز تجاوزها.
وكلّ عام وعمالنا ركيزة الوطن بخير.. وكلّ عام وعمال العالم بخير.
agaweed1966@gmail.com