كتاب

الأردن القوي.. محطات من نقطة الارتكاز وصمام الأمان

الأحداث والمنعطفات التي تجتاح تضاريس الكوكب البشري تعطينا اشارة تحذيرية بضرورة الوقوف والتوقف في هذه المحطة الزمانية التي يصعب تصنيفها أو الادعاء بفهم مفاصلها، ولست بيقين بتصنيفها بين الصدفة أو تنفيذ خطة لئيمة لتفتيت تضاريس واقعها بعد سلسلة من الانتكاسات الأخلاقية والخيانات التي اجتاحت تصرفات البعض من أصحاب القرارات الدولية المؤثرة بحكم القوة، بل وهناك ظاهرة مؤسفة بتبدل التحالفات نتيجة صهر المبادىء، بالرغم أن مراجعة لأحداث التاريخ وتحليلاً لبياناته تعطينا الحكمة بانتصار أصحاب الحقوق، وما نشاهده اليوم من حر?ب مؤسفة نتيجة سباق محموم للسيطرة على خيرات الغير ووضعها تحت الوصاية بمسميات جديدة، أو الحروب الأهلية لتمزيق البنية التحتية للظفر بكرسي السلطة، عبر تضحيات بأرواح الأبرياء، الذين يصدقون الأقوال على لحن الأمل بيوم وغد أفضل، إلا نماذج تتغذى بالحقد لتسكن قبو البشرية.

الأردن القوي الذي استطاع صياغة سياسته الخارجية والداخلية باستقلال نابع من زيادة متانة لحمته وبنيته بتعاون مطلق بين أبنائه وتوافقهم على أبجديات الاستقرار ليصبح ذو شأن، بدأ منذ فترة بإعادة ترتيب بيته الداخلي ليتوافق مع المستجدات والظروف، حيث كان هناك نشاطا واضحا لإعادة هيكلة الحياة السياسية والحزبية وإعادة ترتيب البيت الداخلي بتكامل وتطابق بين القطاع العام والخاص، أطلق سياسة الانفتاح والمكاشفة، وأعطى صوتا مؤثرا للشباب والمرأة، لخلق قيادات مستقبلية يؤتمن لها بقيادة المرحلة المقبلة بعد نضوج أدائها.

الاستقرار والمحافظة على الثوابت قد ضمن للأردن القوي المستقر موقعا مؤثرا بصنع القرار العالمي، نتيجة سياسة الاعتدال والعقلانية للدبلوماسية الأردنية التي تصنع بتروٍ وعقلانية وبعيدا عن سياسة الفزعة أو العصبية أو روح الانتقام أو سطحية التحليل، خصوصا أن القدر جعل منه نقطة المحور للبؤرة الساخنة فوق بقاع الكوكب البشري؛ مساحته الجغرافية صغيرة نسبياً، إمكانياته متواضعه، لكنه صاحب موقف ورأي ويقف على مسافة واحدة من أطراف النزاعات، يحمل في أجندته العنوان الأهم بضرورة ترسيخ مبادىء العدالة والسلام، التي تشكل محور الحديث ?لجميع بلغة منمقة، لكنها تفتقر لواقع التطبيق بسبب الأنانية والطمع الذي يعشعش بداخل البعض لإعتقادات تفتقر لأدنى ركائز الاثبات.

لا يمكننا حصر المهمات الصعبة التي استطاع الأردن القوي أن ينفذها باحترافية بالدرجة الكاملة، فملف الوصاية الهاشمية على المقدسات الدينية في القدس الشريف هو الملف الحاضر واليقين والأهم بضمير الهاشميين لأداء المهمة؛ واقع حاول البعض استغلاله للمقايضات أو فرض تغييرات، ولكنها جهود انتهت كما بدأت بالفشل لأن الوصاية الهاشمية للرعاية ليست كرما أو عطية من أحد، وليست اتفاقية أو وكالة بتاريخ انتهاء أو شروط اخلال، بل هي إرث تاريخي للعائلة الهاشمية للمحافظة على توازن الوجود الديني في الأرض المقدسة؛ مهد الأنبياء والرسل، وا?تي تتطلب بضرورة المحافظة على واقع الحال منذ بزوغ فجر التاريخ، حتى لو تبرع البعض باستغلال نغمات التعاطف الديني بصورته التعصبية لتوظيف الشعور والهيجان لأهداف سياسية ومكاسب يعرف العرابون بأنها لن تمنحهم مناعة من المحاسبة ولن تمكنهم من اقتناء سند (قوشان) التغيير بالملكية، فكان صوت الأردن وحضوره الفاعل مكان الاحترام الدولي بجميع المحافل التي تتقاطع مقاصتها بحصرية الدور الأردني لهذه المهمة نتيجة الحساسية المفرطة لحدوث عبث أو اختراق قد ينتج بركانا من صنع اليد البشرية، يصعب تقدير آثاره المدمرة أو ارتداداته عبر مسا?ة الزمن.

أثبت الأردن القوي أنه اللاعب الأكبر وصاحب الحضور الفاعل عندما أعلن عن خطة إجلاء رعاياه من دولة السودان الشقيقة التي بدأت تمزقها حرب أهلية، تبدو بظاهرة هكذا، ولكنني أخشى أنها حرب بالوكالة بين أطراف الصراع الدولي، فمن يقرأ السطور ويستطيع تشكيل الكلمات بعلامات الترقيم المناسبة، يشتم رائحة مؤامرة على هذا البلد العربي؛ واقع جعل من طائرات سلاح الجو الملكي عبر اسطولها الحديث بإعادة المواطنين الأردنيين من السودان ليشمل الجسر الجوي أيضا نقل رعايا الدول الصديقة والشقيقة وكل من يطلب النجدة على مستوى الفرد أو الدولة؛ ?لوك الكبار في الأزمات لثقة بالأداء كنقطة الارتكاز وصمام الأمان؛ أراهن على الأخوة بالسودان الشقيق بتغليب لغة الحوار على لغة السلاح.

عودة الشقيقة سوريا للبيت العربي كانت مطلبا أردنيا منذ بداية الأزمة السورية، والمحافظة على وحدة الأراضي السورية قد شكلت المحور الأساسي للتطلعات الأردنية؛ لم تغلق سفارة أو تقطع علاقات، بل محاولات مستمرة لجمع الشمل العربي مقرونة بدعوة عقلانية أن تكون الحلول عربية خالصة، وقد استطاع الأردن الثابت المستقر بتوجيه بوصلة الحلول ضمن مضلة جامعة الدول العربية لأنه يؤمن بوحدة الصف العربي وقدرته على معالجة الخلافات بعيدا عن الوصايات التي تحاول فتح ثغرة بالجدار العربي بمسميات مختلفة ولكنها استعمارية خالصة أو محاولات فاشل? لإعادة أمجاد انتهى مفعولها.

المحافظة على الأردن النموذج بالتطور والاستقرار، جعله محجا ومحرابا صلبا قويا لا يمكن اختراقه ومركزه القيادي باستحقاق ناله بجدارة وللحديث بقية.