يمثل العَلَمُ الذي احتفلنا بيومه أول من أمس السادس عشر من «نيسان» عطفاً على تاريخ التأسيس الرمز الوطني للدولة الأردنية بكل معانيه وقيمه، والذي يجسد ويختصر تاريخ الدولة وحضورها بل يرسم لمستقبلها، وقد كان وما يزال عبر تاريخه مصدر فخر وتقدير ونقطة تقاطع والتقاء بالتضحيات للمحافظة عليه، وأي مساس بعلم الدولة مهما كانت صورته، هو اعتداء مبرمج على وجودية الدولة وقوتها، لأن حماية راية الدولة خافقة في السماء، عنوان للكبرياء والقوة والنصر، لأن المحافظة على استقلالية علم الدولة الأردنية افتداء بالأرواح هو بنفس مكانة المحافظة على حدود الدولة الأردنية واستقلالها واستقرارها، فلنا الفخر بهذا الرمز الذي يحفظ أمانينا ويعكس تطلعاتنا فوق جسر الانجازات. يُعد العلم الوطني تصورًا للقيم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للبلد، فالعلم الوطني للوطن هو شرف وطني لكل من يعشق تراب هذا الوطن الذي منح لكل منا؛ إذ أنّه يحمل القيم التي يعتمد عليها أساس تلك الأمة، كما أنّ للعلم الوطني أهمية وقيمة روحية كبيرة بالنسبة للشعب؛ إذ أنّه السقف الذي يزدهر تحته الشعور القومي والوطني، ويُمثل الآمال والتطلعات للمواطن الذي يُعتبر العلم رمز العزةِ الوطنية له، فلقد أصبح العَلَم، جزءًا لا يتجزَّأ من الوطن، بل هو الوطن بأكمله، بكل ما يستوعبه من معانٍ ومضامين، وبكل ما يستثيره من مشاعر جياشة تضيق عنها حدود الجغرافيا أو صفحات التاريخ، وهو العنوان الأمثل الذي يمثل قاسما اتفاقيا مستركا بيننا وإن اختلفنا بإجتهاد في بعض من مواضيعنا الوطنية، ليفرض ذاته بحضور ولا أبهى؛ مهدٌ ومقام وصورة مثلى لثبات الوجود والعطاء، إن علم الدولة يرمز إلى الدولة، بل هو الدولة بكاملها. فبمجرد رؤيته على مكان يتم التعرف أن هذا المكان أو تلك المنشئة ملك لهذه الدولة، وتحت رعاية وحماية تلك الدولة.
تتجسد أقوى الإشارات بشعور الانتماء الوطني بتناغم الشعور الذاتي التلقائي المرافق والمشاطر للنشيد الوطني؛ فهذه المشاطرة تكشف عن توأمة شبه كاملة، بل يتجاوز العلم هذه المشاطرة وذلك بخروجه عن إطار الكلام وانفتاحه على عالم البصر، ما يجعله بمثابة فضاء شاسع الآفاق للرمز، ويعزِّز حضوره منفردًا في المواطن التي تُحجم الحروف عن الوصول إليها؛ توضع الأيدي على القلوب برهانا على ربط حياتي واحتراما لهذا الرمز الذي يترجم حروف الذات بتلقائية عنوانها العفوان والكبرياء، والحماية تحت ظلال الراية الخفاقة، وربما الارتباط الأوسع بالمناسبات الوطنية والرسمية، يجعل من لحظات رفع العلم المقرونة بترديد السلام الملكي، لوحة فنية تروي بغديرها شجيرة سعادة في قلوبنا، وعلينا أن نتذكر أن أهم رموز الانتصار في الحروب عندما تبقى الأعلام خافقة في السماء، وترفع على الأراضي المحررة من الأعداء، عرفا وايذانا بنصر تحقق عبر جولات معارك الشرف ومهما كانت صورها.
لكل «علم» لأي دولة رمز ولون ومعنى، اختياره لم يأتِ عشوائيا أو صدفة، وتحتل الألوان أهمية كبيرة في تاريخ الأعلام، واستخدمت الأعلام في البداية لمساعدة التنسيق العسكري في ميادين القتال، ومن الواضح أن الوظيفة الأبرز للأعلام في عصرنا الراهن هو تمثيلها للدول، في إطار النظام الدولي العالمي، بما لها من سيادة ومقدرات ونظام مستقل، وبما تحمله شعوبها من قيم دينية وأخلاقية وثقافية، وما تتماهى معه من رموز تاريخية وحضارية، وما يستحق التأمل أن الأعلام تنهض لأداء هذا الدور الضخم في أغلب الأحيان من خلال تصاميم بسيطة، تعتمد على الدمج بين ألوان وأشكال محدودة، مع حضور بارز لبعض الرموز ذات الدلالات الدينية أو التاريخية.
للتذكير، العلم الأردني بشكله المستقر قد دخل حيز الاستخدام رسميًا في 16 نيسان سنة 1928م، حيث انبثق عن الثورة العربية الكبرى التي اندلعت عام 1916 م والشكل الحالي للعلم الأردني تمت الموافقة عليه وتوثيقه في الدستور الحالي للمملكة الهاشمية، والذي تمت صياغته عام 1952 م، ووصف الدستور الأردني العلم الأردني بالتفصيل والدقة في مادته الرابعة، ويتكون من أربعة ألوان، بدلالة مستقلة لكل منها؛ الأسود راية الدولة العباسية، الأبيض راية الدولة الأموية، الأخضر راية آل البيت، والأحمر راية الثورة العربية الكبرى، وهناك المثلث الأحمر الذي يجمع الأشرطة الثلاثة للسلالة الهاشمية. النجمة السباعية بوسط المثلث الأحمر تشير إلى سورة الفاتحة في القرآن الكريم، حيث دلالة الرؤوس السبعة إلى سورة المثاني السبعة، وهي عنوان هذه السورة الشريفة، حسبما توضح وزارة الثقافة الأردنية على موقعها على الإنترنت، وأوضحت الوزارة أن وجود ذلك النجم في منتصف مثلث صغير يشير إلى الهدف النهائي للثورة العربية الكبرى وهو توحيد كل الشعوب العربية تحت علم واحد. يشير الدستور الأردني إلى هذا النجم ذي السبعة أشعة على أنه الكوكب ذي السبعة أشعة.
سيبقى السادس عشر من نيسان في كل عام، يوم عز وفخر لكل أردني يعشق ثرى هذا الوطن؛ إنه يوم العلم الوطني الذي يختصر الانجازات والكبرياء والقوة والمتانة، وسنبقيه مرفوعاً على سارية ننسجها من أرواحنا وفقراتنا العظمية، لأنه عشق وعناون للكبرياء غير محدد النهايات وللحديث بقية.