كتاب

«فرحٌ».. قبل سنة

قبل سنة من اليوم بالتمام والكمال، كان هناك حفل زواج لإبنتي الكبرى «فرح»، حيث اجتمعت المشاعر واختلطت أوتارها بين ألحان السعادة وألحان الشوق بعد الرحيل لبلاد الغربة، حيث المقصد لمهد العلوم لنيل شهادة الاختصاص في أعرق المستشفيات التعليمية بالولايات المتحدة الأمريكية، لبدء خطوة جديدة بنهل العلم وتهذيبه، تميهدا لمرحلة العطاء التي تعكس الحرص على واجبات المهنة التي اختارتها، وربما كان هناك بعض التأثر وليس التدخل الأبوي بهذا الاختيار، الذي أجزم بأنه قرار موفق بالدرجة الكاملة، فقدراتها العلمية ودرجات الذكاء التي تتاتع فيها، تسمح لها بهذا الاختيار بدون صعوبات، وشهادة الطب للفتاة قوشان حماية من غدر الزمان.

قبل سنة من اليوم بالتمام والكمال، حضرت جاهة كبيرة لمنزلي لطلب يد ابنتي الكبرى «فرح»، حسب الأعراف العشائرية كخطوة أولى بإعلان الزواج، وضمن ترتيبات عائلية مسبقة بعد تنسيق زمني ضمن برنامج ذلك اليوم الطويل والأجمل في مذكرتي إيذاناً وإعلاناً بالموافقة والقبول، وقد شُرِب فنجان القهوة السادة بعد عبارات متبادلة بين أطراف الجاهة الزائرة والمستقبلة، التي باركت وطرحت فيضا من الأمنيات، تمهيداً لبدء صفحة جديدة، فقرة حياتية تركت في الزمان والمكان بصمة تفوح بعطر الشوق حتى اليوم، نعيشها ذكريات أحياناً برسم الواقع، فكل مسا?ة بالمكان هي شاهد على توثيق.

قبل سنة من اليوم بالتمام والكمال، نزلت دمعتي العفوية الأغلى في حياتي أمام هيكل الكنيسة أثناء مراسم الإكليل، بالرغم من محاولاتي لإخفائها تعبيرا عن انهيار داخلي لصعوبة الموقف، ولكنه سور وجدار قوي، وبعد سلسلة من التجارب الشخصية على هذه اللقطة الصعبة محاولا الظهور بالتحمل، فكيف لأب أن يتنازل عن قطعة من ذاته بعد سنوات من التعب والشقاء، لأتذكر أن هذا هو طريق الحياة والنجاح المرصوف لكل منا، حيث لا بد من مواجهة هذه اللحظة مهما كانت ظروفها، وهي دموع سعادة بدون شك، غالية الثمن، معبرة عن الوجدان وسكن الذات، نكررها بظروف حياتنا.

قبل سنة من اليوم بالتمام والكمال، انتقلت ابنتي الكبرى للعيش مع شريك حياتها الفارس الطبي فارس حدادين، الذي اختار الاختصاص بأمراض القلب، لأنه يدرك أن القلوب تحمل في ثناياها معاناة وتخفق أحيانا على الصدى القادم من أعماق الذات على أوتار سيمفونية الحياة إيذانا بظرف ما، أو أنه يبحث عن خبرة بقراءة أسرار القلوب أو اشارة تحذيرية لوجود حسي بحاجة لرعاية وتغذية، حيث نشأ بعائلة طبية مثالية، هي الأقرب الينا، تناسبنا وتتقاطع مع تطلعاتنا في مستقبل أبنائنا، فكان القدر حاضراً لحُسْن الاختيار المتبادل، لقامتين وطنيتين، تعهدا?برصف الطريق المستقبلي يدا بيد، وهما يدركان أن محطات المستقبل حكر للناجحين.

قبل سنة من اليوم بالتمام والكمال، كان هناك فرح أسطوري في فندق سانت ريجيس/ عمان تحدثت عنه جميع الصالونات الاجتماعية ووسائل التواصل الاجتماعي على مستوى الوطن؛ حدث وطني باستحقاق، من حيث برنامج الحفل غير الاعتيادي، بدقة تنظيم وصرف بسخاء لهذا الحدث العائلي وخلفيات استعراضية بقصص تحاكي التاريخ والحضارة، وتنقلنا عبر منطاد الواقع والحضور الطربي المميز الذي أبهر الأهل والحضور برفقة فرقة موسيقية لكل فنان مشارك، تشاهد السعادة عنوانا مشتركاً على الوجوه التي شاركت بالحفل حتى ساعات الصباح الباكر، ولولا ظروف شهر رمضان الكريم وتداعيات جائحة كورونا، لكان هناك كلام مغاير.

قبل سنة من اليوم بالتمام والكمال، انتقلت ابنتي الكبرى «فرح» للحياة الجديدة مع زوجها الطبيب المميز «فارس حدادين» في ربوع الولايات المتحدة، حيث يسطران النجاحات التي تترجم امنياتنا العائلية، وهما على اتصال دائم وحضور مميز، فيهما الحس الوطني، التزما بحروف الوعد الذي يشكل جدار الطمأنينة للمستقبل، وبالرغم من ذلك، فإن فقرة انسلاخ الأبناء عن الأهل هي هدف نسعى اليه جميعا ولكنه بركانا بكل المعاني، يستهلك العواطف لكونه امتحان حياتي حقيقي، ويزرع شجيرة تساؤل في حديقة المستقبل.

اليوم، قفزت لمقدمة أولويات حياتي فكرة هذه المقالة التي كتبت فقراتها في الذاكرة مرات ومرات، وعندما حان الوقت لكتابة المسودة الأولى، تناثرت الأحرف وتداخلت علامات الترقيم بالمعنى بأولويات، بدأت التوثيق بحبر من دموعي التي أبت بمفارقتي حيث الذكرى تستحق، ونفذت الدموع قبل أن أكمل، فلجأت لقطرات الدم التي تغذي القلب النازف بالحنين والحب، برصيد يكفي لحفر جدارية الأبوة الصادقة، ويوثق على بُردى الحياة، خطوات النجاح والأمنيات التي تمنح مخزون الطاقة العائلية ستار حماية ورصيد أداء، فنصلي كل ليلة لصباح الغد وللحديث بقية.