الباحث الفرنسي «فريديريك مارتل»، يؤكّد أنّ «الحرب العالمية الجديدة، من أجل محتويات المعلومات، قد بدأت»، وهي حرب تُشكّل الثقافة عمودها الفقري. والمقصود هنا، بحسب الباحث الفرنسي، «ثقافة التيار السائد» أو «ثقافة ترضي الجميع». كما أنّ «مارتل» يرى أن البلدان الصاعدة تمكّنت، عبر وسائل إعلامها، وبواسطــة ما تقدّمه من «برامـج ترفيهية»، مـكرّسة للاستـهلاك الشعبي والجماهيري الواسع، أن تزيـد كثيرا من قوة تأثيرها. وبمعـنى آخر، فإنّ البـاحث يشـير إلى نجاح ثقافة «الاستهلاك» الأميركية، كنموذج عالمي.
الذين يحاربون الولايات المتحدة في البلدان العربية أو في غيرها، إنما يفعلون ذلك و«هُم يقلّدون النموذج الأميركي»، وهنا بالضبط تكمن قوّة الولايات المتحدة الأميركية، التي لا يمتلكها أي بلد آخر، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي، أو الصين. وعليه، فإنّ المؤلف يؤكّد، في كتابه «ثقـافة التيـار السائد»، أن «الخاسر الكبير هو أوروبا»، إذ إنّ «لكل أوروبي ثقافتين، ثقافته الأوروبية والثقافة الأميركية».
أما الخاسر الآخر، في السياق الثقافي العالمي السائد، فيحدّده «مارتل» بالبلدان النامية، أي بلدان الجنوب، التي تحتلّ موقع المستهلك لما هو معروض عليها، ومن دون أن تمتلك أية قدرة ثقافية على المنافسة.
وفي الأحوال العربية، ولأن الثقافة، التي ماتت جماعتها، لا بدّ لها من موت محقّق، فإن كل أشكال التهكم والسخرية، والخفّة، في تناول مفرداتها، تصبح متاحة، ومتوافرة على قارعة الطريق، أيّ طريق. فيستعيد التهكّمُ نشيدَ الفخر العربي: «الخيل واللـيل والبيداء تعرفني..»، من دون رؤية علامــات البطولة فيه، التي تنتمي لثقافة جماعة ماتت، وماتت معها قيم بطولتها. ولا يعتني، المتهكّم العربي الحديث، بالبحث عن أي جوف عمــيق أخرج اعتزاز ابن كلثوم، حين صرخ: «ملأنا البرَّ حتى ضاق عنّا». وللحقّ، فهذا التهكّم ليس تهكّم الجيل الحالي، ?ل هو للجيل السابق لنا، وما آلت إليه أفكاره ومبادئه، وما يزال يعيش بين ظهرانينا. لكن الأمر صار موروثاً، وعلى النصالِ المكسورة، عادة، ما تتكسر النصالُ.
وما بين سطوة ثقافة الاستهلاك الأميركية، التي يؤمن بها الباحث الفرنسي، والتي أصبحت في رأيه «ثقافة تيار عالمي سائد»، وبين يقين الصديق العربي، الطاعن في أشياء كثيرة، تتكاثر أسئلة الثقافة والجماعة، بأشكالها القديمة والمستجدة.
فما الذي يمكن أن يحدث، حين تتعرّض ثقافة جماعة ما إلى الفناء؟ هل تموت الجماعة؟ وهل تبقى ثقافتها؟ وإذا بقي أفراد الجماعة، هل تبقى ثقافتهم، أم تموت؟
وماذا يعني اختفاء ثقافة شعب، أو جماعة، أو قبيلة؟ وهل تملك الثقافة، بذاتها، القدرة على التجدّد والانبعاث والبقاء؟ ولعل الأهمّ، هو التساؤل عما يجب فعله، أثناء التنبّه إلى اختفاء ثقافة الجماعة وموتها. وهو اختفاء لا يكون، عادة، إلا بشكل قسري، وليست القوة وحدها هي الوسيلة لفرض هذا الموت. فالاستلاب، والتغيّر الجذري، في أنماط حياة الناس، والعجز عن التكيّف، وابتكار البدائل واكتساب الخبرات، لمواجهة التطورات والمتغيرات، التي تقود الجماعة للعيش في الفراغ، كل ذلك يوصل إلى الموت، وإلى فقدان أسباب البقاء ووسائله. لتواجه?الجماعة، في النهاية، قدرها المحتوم، في العيش وفق قاعدة الغالب والمغلوب، بمستوييها الثقافي والاجتماعي.
هنا يأتي التحدي الحقيقي للنخب، في حياة الجماعة، عبر أشكال الإجابة المقترحة، على التحديات التي تواجهها الجماعة. فتبرز قيمتا الحكمة والشجاعة، في تلك المواجهة. فهل مسايرة العدو الأقوى شجاعة، من نوع ما، أم خيانة؟ وهل مواجهة، ومجابهة، العدو الطاغي حكمة أم تهور؟.
حالياً، ثمّة تيار فكري أميركي، يعتقد أنه من السهل واليسير تعليم وتثقيف المجتمعات، التي ظلت لقرون، تعيش في ظل سلطات شمولية وقبلية منغلقة، وأنه يمكن إحداث نقلة نوعية، في بنية وهياكل هذه المجتمعات المتخلفة، والارتقاء بها إلى مجتمعات أخرى متقدمة ديموقراطياً، ومزدهرة. فالناس، بحسب هذا التيار، يرغبون في العيش بحرية، وما على الأميركيين سوى إزاحة الأشرار والطغاة، الذين يقفون حجر عثرة، في سبيل تقدم هذه الجماعات، وبهذا يمكن للأمور أن تستقيم، في عالم اليوم.
وإذا كنا نفهم أن ثقافة أي شعب من الشعوب هي: منظومة حياة، تشمل، فيما تشمل، أسلوب حياة الأفراد في المجتمع، ومصادر إيمانهم، وعقائدهم الإنسانية، ومجموعة القيم الأخلاقية والاجتماعية، التي يلتزم بها الأفراد، في علاقاتهم بينهم، وفي علاقاتهم مع الآخرين؛ فقد قد تتمكّن ثقافة التيار السائد، التي أشار إليها «مارتل»، مِن اجتياح واستباحة ثقافات عديدة في عالم اليوم. ولكن هل يؤدي ذلك إلى موت ثقافة شعبٍ أو أمة؟ أم أنّ تغيّر نمط حياة الشعوب والأفراد، بالاستلاب الثقافي، يقود إلى تغيّرٍ في منظومتهم القيمية والأخلاقية، ما يسمح?للأعداء والخصوم بحرية نزع علامات البطولة والشهامة، على طول حدود ثقافة الأمة أو الشعب، وفي مختلف الاتجاهات؟.
fafieh@yahoo.com