تقاطع فترة الصيام بين المسيحيين والمسلمين هذه الأيام، يبعث برسالة ربانية مخطوطة بالرعاية والرضى، عنوانها التقارب بين القلوب لأبناء الشعب الواحد، الذين برهنوا بسلوكهم وأفعالهم، أن اختلاف المعتقدات الدينية بين أبناء الشعب الواحد، هو قوة ومتانة لهذا الوطن الكبير والقوي المستقر، ولا يمثل نقاطا خلافية حتى لو تصرف نفر على هامش التفكير السطحي بغير ذلك، وإن كانت فترة الصيام السنوية هي تجسيد لأركان الإيمان بين أصحاب الديانات، إلا أنّ هناك اختلاف بأدبيات الصيام؛ المسيحييون يمتنعون عن تناول الأطعمة ذات المصدر الحيوان? لمدة ثمانية وأربعين يوما متواصلة، تنتهي في صبيحة يوم عيد الفصح المجيد، بينما يصوم المسلمون بشهر رمضان المبارك بإنقطاع كامل عن تناول الأغذية والمشروبات لساعات طويلة يوميا ولمدة شهر كامل، شهر رمضان المبارك بطقوس وطنية وخاصة لكل عائلة أردنية، نستقبله كل عام بموعد مرتقب، ونودعه للقاء آخر بعد أقل من عام؛ ربما أننا نسطر ملحمة الوحدة هذا العام، فنحن جميعا صائمون، وسوف نحتفل بالعيدين بتقارب زمني شديد؛ عيد الفصح المجيد وعيد الفطر السعيد؛ عبرة برسم التنفيذ.
فترة الصيام تحمل معاني كثيرة تتعدى جوهر الإمتناع عن تناول الأطعمة والمشروبات، فهو واحد من أركان الإيمان الذي يوجب علينا تطبيقه بجميع مجالات الحياة ليكون الصيام بالدرجة الكاملة للتقرب من الله، فصيام اللسان عن فتح صفحات الغير بشتى أشكاله هو تطبيق آخر وبرهان على الفهم للبعد الأسمى الذي يمنع علينا استغياب الغير بغير الحقائق ومهما كانت الصور والوسائل التي نتبناها، فالرضا الرباني هو وحدة متكاملة لا يمكن تجزئتها؛ يمثل الصيام عن اقتحام خصوصيات الغير أو الاستيلاء على ممتلكاتهم وحقوقهم الجزء المكمل والأساسي، فلا نحل? لأنفسنا تحت مسميات الشطارة والحنكة والأحقية، بقدرتنا على استغلال ظروف الغير بوضع مصيرهم تحت مقصلة القدرة التي نملكها، حتى لو كانت المقصلة الخطابية بصورتها المباشرة أو غير المباشرة، لأن استخدام طُعْم الإيقاع لا يمثل فروسية وحنكة، بل وسيلة نصب وخديعة تتعارض مع أبجديات الإيمان دون أن نعترف فيها، والتي لن يساهم الصيام بتعويضها.
الصيام عن التجريح ونصب كمائن الوقيعة والغدر للغير، هو صورة أخرى وسامية ومكملة لصيام الامتناع عن تناول الأغذية لكل حسب ديانته، والذي يجب أن يقترن بعدم التدخل بشؤون الآخرين بشكل مباشر أو غير مباشر، فهناك فرق كبير وواضح بين النقاش والنصيحة التي تبنى على القناعات بأي من مواضيع الحياة من خلال التوضيح والشرح واحترام الرأي الآخر، وبين محاولة فرض الرأي الأحادي الذي يحتكر الحقيقة أو الصواب، كما أن السلوك الصيامي المبني على مهادنة أو مجاملة أو خوف من الآخرين، يعظم درجة النفاق الداخلي للشخص، ويهدم بمعول ذاتي أسس الثق? بل يستنزف وقود النجاح والتقدم ببسب ضعف الروابط التي تبني الفكر وتجفف منابعه، لأن الصيام فرصة لفلترة النفس والسلوك ومراجعة الذات بهدف التقرب من الله، مصفاة للنفوس على أفكارها وأفعالها، سبب وجيه لبرمجة المرافق الفكرية والصحية والسلوكية للفرد والجماعة، ففيه قوة فكرية وروحية وجسدية.
أن الصيام إلى جانب أنه ركن من أركان الديانة التي نؤمن كل فيها ونتبعها، مقرونة بإيمان واحترام للآخرين ودياناتهم، فهو أيضاً ممارسة إنسانية راقية بمدرسة الحضارة والتهذيب الذاتية التي تفرض منهاجها بجميع مباحثها، فيها من المضامين العديدة، وعلى رأسها عملية «تهذيب» النفس والأخلاق، وتعليم الصبر والحلم والأناة، وأيضاً تذكير لمعاناة الفقير والجائع، إنه امتحان لقوة الصبر والتغلب على الانفعالات الشخصية، وكبح جماح الغضب، وتنمية القدرات في التعامل مع البشر بصورة إنسانية راقية، تؤمن بعدالة توزيع الخير على الجميع؛ يأتي ا?صيام، ليعلم البشر كيفية التحكم في النفس، في شهواتها واندفاعاتها، عسى وهي تمتنع طوعاً لا قسراً عن كل ما هو مباح ومتاح، أن تقمع ذاتها عن الممنوع والضار، وكل من شأنه التسبب في هلاك الزرع والضرع، ولا يمثل الصيام تذكرة للتعدي أو المجاهرة للتبرير، لأن حقيقة الإنسان تظهر جلية وبارزة وواضحة حينما يكون إما غاضباً أو خائفاً أو جائعاً؛ الامتحان الأصعب للإيمان، الصوم للنفس ثبات، فطوبى لمن صام عن الزلات، ووضع نصب عينيه مخافة الله بكل أفعاله، وفترته مناسبة سنوية متجددة لمراجعة الذات وتصحيح للمسير الخاطىء لتصبح الحياة سل?لة بدون هواجس أو تحفظات، فرصيد العمر لا يقبل الندم أو الرهن أو التقسيط؛ الصيام طريق السعادة وللحديث بقية.