محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة فيديو كتاب مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون ملاحق دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي الرأي الثقافي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة فيديو كتاب مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون ملاحق دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي الرأي الثقافي

«قرطاس الرومي» لمسينيسة تييلالي.. في آثار الرّق وثورة الزنج

No Image
طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
إسلام خنيش (ناقد من الجزائر) التاريخ مادّة دسمة، تتشعّب مساراتها ويجب اتّباعها بفطنة وحذر، وذلك درءا للسقوط في فخّ التعظيم أو الاستهانة بالوقائع، وفي مآثر التاريخ سنشاهد عديد القضايا التي فجّرت أحداثا مفصليّة في هذه الإنسانية، لكنّ الأمر يبدو واضحا مع عصرنا هذا بأنّ العديد من الأمور طمسها التاريخ، فمقولة أنّ «التاريخ يكتبُه المنتصرون» وثيقة في الكثير من الأحيان.

هكذا، يبدو أنّ الروائي والرسام الجزائري مسينيسة تيبلالي يخوض في منسيّات التاريخ، فيجعل في مادّته الأدبية مقدارا كبيرا للتاريخ الذي لم يصلنا. في روايته الأخيرة «قرطاس الرومي، ثورة الزنج وفتنة الجواري كما لم يروها ابن جرير الطبري»، الصادرة عن منشورات الجزائر تقرأ 2022، يقوم بتقمّص دور المؤرّخ بشكل أكبر، إذ أنّ المطّلع على روايته السابقة «تلمود نرت» سيرى الفرق رغم أنهما تخوضان في الرواية التاريخية، تتّخذ الأولى بعدا تاريخيا أكبر، أما الثانية فقد أخذت البعد السردي بشكل أوضح ولكن دون إهمال المادة التاريخية، وما يثير ذائقتي هنا هو البحث عن كيفية ملامسة الفروقات بين السرد وإعادة كتابة التاريخ.

الرواية تخوض في تاريخ مهمل ومادّتها التاريخية صعبة الوصول، لذا فهي تجربة فريدة في الرواية العربية، فثورة الزّنج لم يصلنا منها شيء معتبر، والمصادر الكثيرة التي تحويها الرواية تظهر الاشتغال الكبير عليها، فالنصوص التراثية لم تأخذ بثورة الزنج وثورات أخرى في صفحاتها، بهذا يقدّم لنا مسينيسة نصّا روائيا طويلا، يتتبّع فيه حياة قرطاس الرومي وأمير الزنج الامام علي بن محمد العلوي، هو الآخر الذي لن نجد له حضورا بارزا في التاريخ الرسمي.

قرطاس ذو الأصول الصقليّة، يتربى عبدا مملوكا لسيدته، ولكن حادثة مقتلها سيصوّب الاتهامات نحوه، هذه الحادثة ستقلب الموازين وتجعل قرطاس يتساءل عن جدوى حياته في الرّق، هكذا سيرى في خبر ثورة الامام علي بن محمد ملاذا لمحنته، ولعلّ الراوي قد عمل على تأثيث سرديته بالخطاب العباسي الرسمي الذي كان يسود حينها والذي قنّن عملية الرّق مستمدّا قوته من الأحاديث الكثيرة المتشعّبة والمغلوطة ومن تغلغل السلطة الدينية الرسمية في المخيال الجمعي، فنقرأ في الحوارات استشهادا بقول الرسول زعمًا أنّ العبدَ يدخل الجنّة إن خدم صاحبه، فهنا من خلال الحجج المقدّمة سنرى تهافت هذه الأفكار، ومناضرة قرطاس لعلماء الدين والفقه، بالخصوص ابن جرير الطبري وهنا يدخل الراوي في مجال التخييل وصناعة مادة أدبية فكرية من خلال السرد والحوارات، وفي صورة أخرى عندما يستشهد أحدهم بحديث أنّ الرسول قد قال :«إنّ الأسود إذا جاع سرق، وإذا شبع زنى»، سيتساءل قرطاس في نفسه :«أكان للنبيّ أن يقول هذا وبصحبته بلال بن رباح الزنجي، مؤذنه ومولى أبي بكر الصديق رضي الله عنه؟»، فهذه الآثار من الرواية هنا تأتي من أجل مسارين، أولهما تشكيل المتن وتسلسل الأحداث وثانيا من أجل تفكيك النمطية الفكرية التي تتّسم بها تلك المرحلة وما يكتنفها من مآثر وتمثّلات على الواقع المعاش

يعمل الراوي على إظهار أزمة الرّق وتمثّلاتها في المجتمع والنفوس، فيصف الحالة الاقتصادية جراء تجارة العبيد، وحملات السفن المملوءة بأناس من مختلف بقاع العالم تمّ جلبها للاستعباد، تأخذ سبايا الحرب موقعا هي الأخرى فالرواية من خلال مصادرها التاريخية تنقل لنا أخبار الجواري وكيف كان يتمّ جلبهنّ بالآلاف لبلاط الخلافة، لكنّ الأمر الجديد في كل هذا هو توثيق فتنة الجواري من خلال شخصية يقطين أمّ قرطاس التي وصلت في عهد الموفّق سلطةً لم يحصل عليها أحد آخر، وقد أثّرت في مقاليد الحكم حتى تمّ وصفها بالسيدة الأقوى في البلاد، هذا وأنّ جمالها قد تملّك قلب الخليفة فملكت هي بدورها سلطة التأثير عليه وعلى بقاع أرض المسلمين، كل هذا يعبّر عن صورة تلك المرحلة التي تشوبها القداسة في كثير من الأحيان، ويتم إظهار وجهها المشرق وإخفاء آثار كثيرة.

في الرّق وتمثّلاته في نفوس العبيد، نقرأ ما يفعله هذا السلوك الجاهلي واللاّإنساني، حيث سيقرّ قرطاس بكل الأزمات النفسية التي يمرّ عليها، وكيف أن حياة العبيد تتم مصادرتها ووأدها منذ أول يوم في دائرة الاستعباد، يأتي قرطاس في ضوء هذا كي يقرّ :«أمّاه لقد سلبوا مني حق الخطيئة، حقّ الحبّ والشبق والنسل، حقّ الرذيلة والمجون»، فعملية الإخصاء كانت تمثّل ركيزة من ركائز العبودية وبها يتم قتل الحياة والشغف، فيتمّ التأسيس لفكرة الخضوع والقبول بهذا المصير الموحش.
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة فيديو كتاب مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون ملاحق
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress
PDF