تعلّمنا التجارب المتنوعة في خِضمِّ أمواج تتقاذفنا تارة من هنا وأخرى من هناك، بأن الإنسان وحده صاحب القرار الذي يعرف كيف تنقسمُ حياته إلى أجزاء أو لنقل إلى مراحل، وهو كذلك الأكثر علمًا إلى أيّ منها يُولّي شطرَ وجهته، وبلا شك أنه سيختار أكثرها قُربًا منه وانسجامًا مع رغباته وميوله تبعًا للاحتكام الطبيعي لمنطق الأشياء، ولعلّ هذا القول الذي أكتبه – وإنْ بدا أنه شخصي في إطاره الخاص- غير أنني أراه يندرج على عامة الناس وخاصتهم، ولذلك نرى المعايير متفاوتة بين الناس، فالأشياء التي تُفرحُ فلانًا وتجعله سعيدًا لربما?تكون تلك هي نفسها التي تجعل من شخص آخر إنسانًا يحمل في قلبه الحزن والأسى، وهكذا دواليك هي الحياة.
مقال ينطوي على فكرة أو أفكار مبعثرة لم أستطع لملمتها خلصتُ إليها عبر إقامة «قسرية» في المنزل لعدة أيام إثر عارض صحي كانت الراحة إحدى مقتضياته، وكانت نتيجتها جُملة من التأملات التي حمدتُ مكوثي في البيت عليها وفي مثل هذا الضرب من التأمل يجد الإنسان نفسه حيث لا يجدها في هزل ولا جدٍّ، وفيه يجلس إلى نفسه ويتخذ منها صديقا مقرّبا ويصارحه بما لم يكن ليجرؤ على فعله من قبل، وفي التأمل تُشرّعُ الأبواب على مصراعيها فيفهم المرء منا منطق «الطير» ويدرك معاني حركة المياه في «خريرها» والرياح في «هبوبها»، ولولا أن ذلك يصح أ? يكون ضمن وجهة عامة لكنت احتفظت بمآلات نفسي لنفسي وما استحوذت من حيّز «الرأي» الحبيبة مساحة لنشرها، فمال الناس ولحياتي، وأنا لست بذلك العظيم ولا ذي المنصب اللامع، حتى إذا ما كتبت تجربتي أو ترجمت لمعانٍ تجلّت لي على دروب الحياة، كشفت عن غوامض لم تعرف، أو مخبآت لم تظهر، فجلى الحق وأكمل التاريخ، وما أنا إلا مواطن «لا راح ولا أجا».
إن المرحلة الأقرب لحياة كلّ منا هي التي كان فيها قريبًا من نفسه ومن صفاته وخصائصه، واستطاع خلالها أن يثبت مقدرة وكفاءة ضمن ما استطاع إليه سبيلا، بعيدًا عن المنغّصات أو المقيّدات التي تحد من حركته كإنسان، وبهذا المنظور كانت حياتي في شطرها الآخر هي المعيار والمؤشر الذي تفوّق على سابق العهد بنفسي وتلك نصيحتي لأبنائي وأصدقائي من هذا الجيل المتخم بوسائل الاتصال والتكنولوجيا، وفحواها ألا يتردد أحدهم من مكاشفة نفسه بنفسه ويضعها أمامه مرآة تعكس طبيعته بكل تفاصيلها، فيحب ما تُحب ويبغض ما تبغض حتى وإن كان مثقال ذرة ?و نسمة هواء.
إن للنفس أعماًقا كأعماق البحار، وغموضًا كغموض الليل، تلك هي خلاصة التأمل الذي يدفعنا لقياس الأمور بمقياسها الطبيعي والجاد، وهو من «أولي الفضل» على صاحبه لأنه يجعل الأشياء تبدو أمامه مهمة تبعًا لقيمتها ومكانها وقربها منه، وبالمجمل فإن حياة الإنسان تنمو وتعيش بالحب كالشجرة اليانعة التي ما أثمرت لولا الماء الذي ارتوت به جذورها في تحت الأرض.
Ahmad.h@yu.edu.jo