عالم اليوم قرية صغيرة تحكمها الذبذبات المشفرة والمنتشرة بفضاء رهيب بجميع أبعاده والمخصصة لوسائل التواصل الاجتماعي باشكالها ومعانيها والتي تبدو في ظاهرها خدمة للبشرية والتطور، وهي كذلك بجزئية غير بسيطة، ولكن بساحتها الخلفية مكامن الخطورة لوجود حروب مشتعلة مباشرة وغير مباشرة بين أقطاب العالم التي ترفض تقاسم المصالح وتحاول احتكار المكتسبات، خصوصا أن البنية الأساسية للسيطرة تعتمد بشكل أساسي على كمية المعلومات المجانية التي تقدم لأصحاب المنصات والدول الحاضنة لها كشرط أساسي للإشتراك والمتابعة والمساهمة، فتجد مساحة لصرف الوقت يعتقد البعض بمجانيتها ولكن مقدمي الخدمة يحصدون المنتج بالوقت الذي يناسبهم، فهناك جهد سحري لفرض سياسة إدماج هذه التكنولوجيا بجميع مجالات الحياة تحت مسميات مختلفة نجتهد بتفسيرها، وهي وسيلة ابتزاز لأخطاء عفوية أو مبرمجة وعلينا الإعتراف بأهميتها حتى لا نصبح خارج المنظومة البشرية.
واقع الحال اليوم يظهر بوضوح حقيقة تبدو مؤلمة وخطيرة وخارج حدود السيطرة الشخصية والمجتمعية وتتمثل بالإدمان غير المبرر على استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، والتي أصبحت سلاحا ذا حدين؛ فإن أحسنا استخدامها أصبحت وسيلة تواصل ووسيلة لاكتساب المعرفة، وإن بالغنا باستخدامها يصبح تأثيرها سلبيا، بالرغم من خلطنا بأدبياتها، الأمر الذي يتطلب تطبيق أدوات الضبط والمراقبة بعيدا عن استخدام سيف التهديد والعقوبات، وحبذا لو تدرجنا بالتوعية التي تعتمد على الإقناع لجيل التنشئة، من المنزل والروضة والمدرسة والجامعة على أن نكون القدوة، مرورا بمواقع العمل والعلاقات الإجتماعية والعائلية، واقع يفرض الاعتدال في الاستخدام، فالإعتراف بصعوبة الاستغناء عنها أو لرتكاب جريمة الانتحار بإنكارها، فكرة يجب القفز عن معطياتها، فالعقلانية بالتفكير تتطلب التحكم في الوقت والتوقيت الذي نصرفه في استخدامها ونستبدلها بوسائل التواصل الحقيقية الحية وجهاً لوجه عندما يتطلب الأمر كذلك لتبقى للكلمة والابتسامة مكانتها، فهناك صورة اجتماعية مؤلمة تسكن بتصرفاتنا اليوم بفرط استخدامها بين أفراد يعيشون في نفس المنزل وتفصلهم جدران غرف، لأن هذه الوسائل سلاحا ذا حدين؛ والمثال الأقرب فيما يخص الأخبار مثلاً؛ فمثلما نعرف عن طريقها الأخبار بسرعة وسهولة إلا أنه يسهل عن طريقها ترويج الإشاعات ونقل الأخبار المزيفة، وبوجود درجة من الإدمان على الاستخدام، نخلص بالنتيجة أننا نصرف الوقت والجهد بدون فائدة أو اكتساب أفكار مضللة تجعلنا نلهو بقصص الغير ونجاحاتهم.
لقد أصبح التواصل الاجتماعي اليوم هو الوسيلة العامة في العصر الحالي للتعامل مع الآخرين، وذلك كنتيجة طبيعية لانتشار مختلف مواقع التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى انتشار مختلف وسائل الاتصال التي جعلت العالم أكثر قربا منا، ولكن ما يعيب تلك المواقع هو سطحيتها وإنعدام الضوابط باستخدامها، بعد أن أصبح الوازع الأخلاقي والتربوي ظرفا ماضيا لإختلاف مفاهيم الحرية، حتى وإن كانت هذه الوسائل المبادرة والسبب بحكم الواقع بإتاحة الفرصة للتعبير لجميع أفراد المجتمع بطرح الأفكار بحرية كاملة، وتبنت لدرجة ما رعاية فكرة الرأي والرأي الآخر لتسويق الديمقراطية بأساسياتها المفصلة، ليكون واقع اليوم المؤلم ببعض مفاصله وفقراته والذي يوجب التريث بالمسير للتحليل واستنباط العبر بهدف وضع الروابط وتشكيل الكلمات بمعاني فقراتها حتى لا يفسرها البعض ببعض من علامات الترقيم الخاصة بقاموسه ضمن قالب الحرية المفتعل بعد انتشار هذا الكم الهائل من الخبراء بمجالات الحياة التخصصية، حتى وأن أجمعت نظريات الاتصال والإعلام الحديثة على تنامي دور وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة مع الثورة الرقمية التي يعيشها العالم اليوم، فإنه من المهم والضروري العمل على تعظيم الاستفادة من الفرص التي تتيحها منصات التواصل، باعتبارها أهم أدوات التنشئة السياسية وتشكيل الوعي لدى الشباب، وفي الوقت ذاته ضرورة ضبطها وتنظيمها بحيث لا تتحول إلى منصات لنشر الفكر المتطرف والعنف أو نشر الشائعات التي تهدد أمن المجتمعات واستقرارها، لأن أساس الحياة البشرية وفرص استمرايرتها تعتمد على التعاون القائم والتقارب المأمول بين الجنس البشري، منعا للإحتكار والاندثار أو ظهور مساحة للتطرف لفرض رؤيتها الأحادية؛ واقع ساهم بنسبة مقدرة لنجاح مواقع التواصل الإجتماعي بعد لمسات التسهيلات التي قُدمت كعربون للمستقبل وبفائدة مؤجلة يقررها أصحاب الخدمة وعرابينها، وربما المستقبل يبشرنا ببراكين الماضي.
لنعترف بداية بأن ثورة تكنولوجيا الاتصالات هي السبب الرئيسي في ظهور مختلف أشكال مواقع التواصل الإجتماعي، والتي استطاعت بذكاء المسوقين والمالكين لمنصاتها أن تكون اللاعب الأساسي في الوقت الراهن بجميع تفصيلات الحياة الشخصية للفرد والمجتمع، فلم تعد مواقع التواصل الاجتماعي تقتصر فقط على كونها نافذة للتواصل بين الأفراد، بل أصبحت تشكل أهم أدوات التأثير في صناعة الرأي العام، وتشكيل ثقافة المجتمعات وتنشئة الشباب وتثقيفهم، بل تعتبر وسيلة لجس نبض المجتمع لأي تغييرات قادمة يخطط لها أصحاب القرار ومهما كان شأنها، وتحديدا لدور هذه المنصات التي تقوم أحيانا بأرشفة المحتوى ويمكن أن تتبنى ثقافة وتوعية، بل ويمكن نقل محتوى هادف عن طريقها، فهي الأفضل كوسيلة للوصول بسرعة قياسية للطبقة المستهدفة، لأختم القول بضرورة ضبط أدبيات مواقع التواصل الإجتماعي وللحديث بقية.