يتطلب الواقع الوطني اليوم خارطة طريق واضحة المعالم والأدوار والمراحل لإعادة بناء الثقة بين المواطن والمسؤول، بعد أن شهدت السنوات الأخيرة نزفا متسارعا تسبب بوهن وضعف بعناصر البناء، بل بشرخ أفقي وعامودي بجدار الإهتمام والإحترام لواقع استنزف تضحيات ومنجزات تسجل للذين استطاعوا نقش أفعالهم على بُردى الوطن، فأصل العلاقة أن يكون المسؤول القدوة والإنموذج في التصرف والعمل، وقبلها بالكلمة والوعد، ليكون حضوره واحترامه نابع من شخصه وتصرفه، وتاريخ الدولة الأردنية عبر مئويتها الأولى قد سجل منجزات لمدرسة النخبة التي تركت?بصمات على حاضرنا ومستقبلنا بعد لمسات بتاريخنا الغني، وربما من ذكريات الطفولة التي أحنّ اليها وأتمناها اليوم كيف كنا نسمع الآباء بتقديرهم للمسؤول لأنه القدوة قولا وفعلا، كنا ننتظر تصريحا من وزير أو نائب أو عين أو مسؤول، نتناقله ونبني عليه برنامج الغد بثقة سجلت العلامة الكاملة بكل مناسبة، فتلك الصفحات الذهبية التي سطرها هؤلاء والذين يصعب حصرهم على مساحة الوطن، تجعل من تاريخهم حضورا دائما نتمناه، وأساسه الثقة التي تصرفوا بموجبها ومنحنونا إياها بالمناسبات التي تتطلب ذلك.
لنعترف بداية بأن واقع اليوم مؤسف جداً، فالثقة إنعدمت وأصبحت مادة تصلح لأحجية أو مشروع رسم كاريكاتيري يمنح البسمة اللحظية؛ نزيفا مؤثرا وخطيرا بالإستماع لكلام جزء يسير من المسؤولين بمختلف مستوياتهم، خصوصا بالشعارات التي تلامس أحوال المواطنين مثل محاربة الفقر والبطالة، محاربة الواسطة والمحسوبية، توزيع الخدمات بعدالة؛ شعارات انتخابية أوصلت البعض لمركز صنع القرار، فكان حريصا على تطبيقها ضمن دائرته العائلية الضيقة المحيطة بحكم الأعراف، ليكون واقع اليوم مع كل أسف، بقناعة سلبية بعدم الاستماع للمسؤولين، لأنها تجسد ?رورا لغويا مضللاً، مليئا بالوعود وزاخراً بالتمنيات، تنسج معظم تفصيلاتها بعكس معلاناتها.
يجب أن يتحلى المسؤول وبأي موقع، بدقة الكلام المطلق على لسانه حتى بالاستشهادات التي يسوقها من قبيل الإقناع، فيؤثر بذكرها كدليل، وهو أمر يزيد من صعوبة مهمة عرابي الأقلام التي تتبارى وتتسارع لتبني هذه الوعود وتسويقها بعد أن أصبح الفضاء الإعلامي مليء بالفوضى وغير منضبط، فهناك من الوسائل الإعلامية التي تتبنى ببرامجها نهجا مكشوفا أضعف مصداقيتها، باستضافة نسخة مكررة من الأشخاص لتلميع دورهم وتسويقهم على أنهم الحماة والحريصون، وربما الإتفاق على محاور الحوار لبرمجة الإجابات تعطي شكلا قد يظنه البعض سابقة إعلامية، بما?يناسب مقاس المقابلة وأهدافها، ليكون الحصاد بجودة التضحية والثمن، علما أن هناك احجاما من نخبة لأصحاب الخبرات والإختصاص للمناقشة والحضور، الذي ينعكس على عدم المتابعة بسبب فقدان الثقة بالقول، ويتقاطع أحياناً على مساحة مهمة بضرورة التوضيح حتى لا ينطلي الأمر على البعض، ففقدان الثقة بالقول هي البداية للشرخ المدمر للبنيان ويجعلنا نتوه على مسرح الحيرة بدون توجيه أو هدف.
بعض المحطات الاعلامية المحلية والإقليمية شريك أساسي بهذه الجريمة الوطنية، يشاركون بعفوية أو قصد بتجفيف منابع الثقة التي نحن بأمس الحاجة اليها، خصوصا في مواضيع الشأن الوطني، لأنها تعطيك شعور الملكية للمقدمين الذين يتظاهرون أو يقلدون برامج مماثلة لمحطات منافسة مع فواصل الإثارة الحركية واللفظية التي لا تغير من القناعة أو المحتوى، فقد تقدم العمر بالبعض وتجاوز حدود الإبتكار، ليمارس القمع على الرأي الآخر، ينتهي غالبا بفاصل إعلاني بتوقيت غير مناسب لبداية الفقرة التالية دون إجابة شافية أو توضيح لا يترك شكوكاً؛ ورب?ا الحكمة من ذلك ترك حرية التفكير والتحليل لنا باعتبارنا خبراء في جميع مجالات الحياة بدون تخصص، لتضيع الحقيقة بين الأرجل نتيجة الإزدحام.
لا يمكننا التقدم خطوة واحدة على سلم الانتقال للمكانة المستحقة، بدون وقفة مراجعة لسماع الشكوى والفحص والتشخيص الدقيق للمعالجة، وبعيدا عن المؤتمرات وورشات العمل بذات الأشخاص والأفكار التي عليها الاستراحة والانسحاب، فنحن بحاجة سريعة لإعادة جسور الثقة بين المواطن والمسؤول؛ جسور الثقة التي تبنى على العدالة والاحترام والمساواة، جسور الثقة التي تشعر المواطن بحرص ذلك المسؤول على تطبيق قوله لفعل، فالمناقشة تصبح بعد ذلك سَلِسَةٌ بلغة لا تقبل التفسير بأكثر من معناها، ونحن قادرون بالفطرة والسليقة ودرجة الذكاء التي نتم?ع فيها بأن نصنف أصحاب الوعود وننحت تمثالا لكل منهم بالمكان المستحق لإعادة بناء الثقة المثقوبة وهي الأساس وللحديث بقية.