يساورني اعتقاد جازم أن ثمة وظيفتين اثنتين للجامعة أنّى كانت، أولاهما علمية وهي المهمة التي تقفز للأذهان كلما ذُكرت الجامعة مصطلحًا أو مفهومًا دارجًا، وأما ثانيهما فوظيفة أخلاقية وتربوية، في حين أن ما تتغنى به الجامعات ويقع في صلب ما يُسمّى بخدمة المجتمعِ فذلك أمر بديهي خاصة في ظلِّ تنامي دور الجامعات كمؤسساتٍ وطنيةٍ وعليه، فليس لأي جامعة أن تدعي أن ما تقوم في دعم جهود تحقيق التنمية في المجتمع الذي تتواجد به هو علامة فارقة بمسيرتها بل إن الفضل للمجتمعِ نفسه بأن أتاحَ للجامعةِ تفريغ خبراتها في شؤونه وقضاياه على اختلافها، وما أريد الوصول إليه بأن هذه المهمة الثالثة هي كما يقال بالعامية (تحصيل حاصل) لا بد وأن تنهض به الجامعة على خير ما يُرام وإلّا كان الأجدرُ أن يطلق عليها «مدرسة» وليس جامعة.
أستحضر القول القديم الشائع «العلم لا يعطيك بعضه إلَّا إذا أعطيته كلك» ولعلَّ هذا أكثر انطباقًا على التعلم الجامعي والبحث العلمي في الجامعة إذا ما قامت الأخيرة بتوظيف قدراتها العلمية والفنية ووضعت القضايا العلمية والأدبية موضع البحث ووجهت طلبتها للإنخراط فيها وعلمتهم أصول وقواعد البحث العلمي وكفّت بمناهجها وخططها الدراسية عن التلقين الذي لم يرفع للأمة شأنا ولم يخلق في نفوس الشباب الدافعية نحو اكتشاف مواهبهم وقدراتهم خاصة في المجال البحثي والاستكشافيِّ، ولكي يتمَّ ذلك تصبح مهمة أستاذ الجامعة كما أتصوّرها نوع من الرهبنة، فكما ينقطع الراهب للعبادة في ينقطع الأستاذ للعلم وخدمته بعدما يكون قد وطّن نفسه على خدمة العلم، وخدمة الأمّة من طريق العلم، وخدمة الإنسانية من خلال نافذة علمه ومعرفته ولا غرض له في الحياة إلّا ذلك، ولعمري إن هذا ما أتصوره في الأستاذ الجامعي، ومثل هذا الأستاذ لا ريب أنه سيكون عزيزًا وإذا ظفرنا بواحد من هذا الصنف في كل بيئة جامعية ضمنا نجاحها لأنه إذ ذاك يصبح مَنارًا يهتدي به المدرسين والطلبة في الظلمات بل هو مثل حي للتضحية ومثل حي في سمو الخلق وغلبة المعنويات على الماديات وهو خير على العلم والخلق جميعًا.
إنَّ الجامعة التي لا تخدم إلا شيئين فقط وهما العلم والخلق، ستكون حكمًا مثلًا للطلبة يُحتذى في تصرفاتهم لأنهم حينئذٍ سيسمعون نبضات قلوب أساتذتهم كما يسمعون دقات ساعاتهم وسيَضبطون بأعمال أساتذتهم أخلاقهم كما يضبطون على ساعة الجامعة ساعاتهم، وعندئذ سيشغل الطلبة أنفسهم بتكوين رأي عام فيما بينهم يشعرهم بالواجبات والمسؤوليات الملقاة عليهم وهنا لا بُدَّ من الإكثار من اجتماع الطلبة بمناسبات مختلفة حتى يتبلور الرأي العام الطلابي الذي نريد ويأخذ سبيله في سلطانه على النفوس ويصبح الطالب معول بناء وأداة تنمية وتقدم وتغيير بالشكل والوجهة التي يتطلع إليها جلالة القائد الأعلى.