كتاب

الهاتف.. الحزين!

زمان.. كان المرء يرفع سماعة الهاتف الأرضي.. كمن يحمل رضيعًا. يقبض عليها بالخمسة أصابع محبّة وخشية من أن تلوص من كفّه فتسقط أرضًا وتصبح قِطَعًا بعد.. عين. تصمت إلى الأبد. ويصبح صندوقها كفاقد لسانه وطبلتي أذنيه أبكم أخرس.

كان المرء.. المشترك أو حرمه ابنه ابنته يرفع السماعة ويدير (المانويلا)... على جانب جسم الصندوق المرفق بالهاتف كمن يدير مانويلا في خرم ماتور مركبة من ولادة العشرينات. يسمع خشخشة وأحيانًا نحنحة وأحيانًا عطسًا فسعالًا يقصر أو يطول، أحيانًا تسمع حوارًا بين اثنين وأحيانًا كثيرة... تطنيشًا. هو (الأوبيريتر) أو رجل البريد... رجل المقسم مقسم الهاتف أو...(المقسمجي) كما كانت جدّتي رحمها الله تطلق عليه. لم يكن زمااان هناك مقسم آلي ترفع السماعة تصغي لتسمع خرير الهاتف بعدها تضغط على كبسات الأرقام وتطلب الرّقم الذي تريده?

'زمااان'... كنت تدير المانويلا ليرد عليك المقسمجي.. تطلب الرّقم الذي تريده و..إنت وحظّك؟!. أحيانًا يضعك الرّجل على الدور ربّما طيلة النهار ريثما تنهي أم سليم دردشتها مع أم جميل. أو ربّما خناقة بين اثنين على مرقد عنزة أو ربّما.. حبيب يتغزل بحبيبته.. عينك عينك.

أحيانًا يرد عليك مأمور المقسم خاصة إن كان الطالب سيّدة تطلب أم محمود ليبلغها بأن السيّدة أم محمود... ليست في البيت... راحت زيارة. أو يتدخّل بين اثنتين تتعاتبان ليفصل بينهما.

أما إذا كنت تطلب نابلس من عمّان... أو عمّان من نابلس فحدّث ولا حرج. قد يمضي يوم بكامله حتّى يحين دورك.

حينما كان جرس الهاتف الأرضي والذي كان يوضع في مكان بارز... مكرّمًا محترمًا.. يباهون به المدينة بحالها. كان الجميع يتسابقون للرد على الطالب. كل يعتقد أن المكالمة له. لا أحد يريد الآخرين أن يعرفوا مع من كان يتحدّث... الناس أسرار كذا الهواتف... أسرار.

أحدهم.. كثير غلبة، اخترع الهاتف المحمول... المحموق المجنون. وبقسوة بالغة وضع الهاتف الأرضي.. أرضًا. لا أحد يستعمله...يرنّ جرس الهاتف الحزين و..لا من مجيب. لأن كل من في المنزل يعرف أنه ليس هو المطلوب. من سيطلبه فسيستعمل الهاتف الخلوي خاصته... موضع أسراره.

بات الرنين.. الرنين الحزين ينوح في موعد معيّن كل شهر...'أخي المشترك... قيمة فاتورة الشهر لهذا الهاتف... كذا كذا... من فضلك يا معوّد تدفعها في وقته... عدم المؤاخذة'.

الهاتف الأرضي الفرعي في منزلي مفقودة أسلاكهمنذ مدّة طويلة. لا أحد يحفل. أشفقت عليه!!، بحثت عن أسلاكه فلم أجدها... من يدري لربّما استعمل كحبل غسيل. حزين أيّها 'الأرضي'. كانت أُمِّي عندما يكون عندها ضيوف ويقرع جرس الهاتف تفتح النوافذ بكاملها حتّى يسمع الجيران والحيطان.. تشوف حالها فيه.. في بيتنا... هاتف. لم يكن لدى الجميع المقدرة على الحصول على هاتف أرضي ربّما لعدم الحاجة وربّما لعدم المقدرة على نفقاته. ألآن حتّى أبو كريكر...لديه هاتف خليوي.. ربّما اثنين.

لكل زماااان دولة ورجال... ولكل زماااان أرضي..يمضي وخليوي يأتي. يعلم الله إلى متى. قد يخترع أحدهم وسيلة اتصال تركب ظهر بعوضة، أو كمسمار في حذاء. لا تعتمد على الكلام لكن... على الظّن.. إن كثيرًا من الظّن... إثم. والله أعلم.