تلقينا ببالغ الحزن والاسى قبل ايام نبأ رحيل الارشمنديت قسطنطين قرمش عميد كهنة الأردن عن عمر يناهز ٩٦ عاما قضاها في سلك الكهنوت في العديد من الكنائس في الأردن وفلسطين.
قسطنطين قرمش لم يكن كاهنا عاديا بعلمه وثقافته وسعة اطلاعه في المسائل الكهنوتية فحسب بل كان صاحب موقف ومبدأ تجاه العديد من القضايا وفي المقدمة منها القضية الوطنية الارثوذكسية تلك القضية التي مازالت تراوح مكانها على الرغم من مرور ما يزيد عن مئة عام على ظهورها... وتتلخص تلك المسألة في مواجهة سيطرة الاكليروس اليوناني على الكنيسة الارثوذكسية العربية في فلسطين والاردن التي تعد أكبر الطوائف المسيحية عددا وأكثرها أوقاف واملاكا في الاردن وفلسطين.
ومن جهة اخرى كان الاب قسطنطين قرمش حازما وواضحا في رفضه بيع او تأجير او انتقال املاك الكنيسة الارثوذكسية في القدس والمناطق المجاورة لها إلى اليهود.. ووقف سدا منيعا تجاه تنفيذ العديد من تلك القضايا باعتبارها جزءا من القضية الوطنية الفلسطينية الام... وكان متابعا حثيثا لكافة القضايا الوطنية.. حتى أننا كنا نلاحظ ذلك من خلال كلماته وعظاته التي كان يلقيها كل يوم احد في الكنائس التي كان يقيم فيها القداديس الدينية حيث لا تكاد تمر عظة من دون الحديث عن قضية وطنية... ووصل الاب قرمش إلى مراتب عليا في القيادة الفلسطينية وكان آخرها توليه منصب نائب رئيس المجلس الوطني الفلسطيني... كما كان له دور بارز في المجالس والمنظمات والكنائس العربية والعالمية.. وشارك في العديد من المؤتمرات والندوات العلمية والدينية والثقافية والفكرية والسياسية.
ولم تكن هذه الاعباء تشغل الاب قرمش عن واجباته الدينية فقد كان قدوة حسنة للكهنة والشعب وكان مربيا فاضلا للاجيال وتتلمذ على يديه عشرات الكهنة والاف الطلبة من خريجي المدرسة الوطنية الارثوذكسية وغيرها من المعاهد والمدارس الذين وصلوا الى اعلى المراتب والرتب داخل الوطن وخارجه، وحمل الاب قرمش ومن معه من أبناء جيله من الرعيل الاول مسؤولية النهضة بشؤون الرعية الارثوذكسية في الاردن وكان له دور بارز في تأسيس جمعية مدارس الأحد ومن ثم جمعية الثقافة والتعليم الارثوذكسية التي اخذت على عاتقها بناء مدارس ارثوذكسية في عمان وخارجها وارسال طلابها لدراسة اللاهوت على نفقتها ورعاية العائلات المعوزة وتقديم العون لها... وطباعة الكتب الدينية وتأسيس المدارس ورياض الاطفال... وكان يواصل العمل والتعليم طيلة ساعات النهار وجزءا من الليل دون كلل أو ملل.. مستندا إلى شعاره الذي حمله معه أينما حل وارتحل (من عمل وعلم فهذا يدعى عظيما في ملكوت السموات.. انجيل متى ٥:١٩).
لقد عرفت الأب قسطنطين قرمش عن قرب منذ مايزيد عن أربعين عاما ونشأت بيننا علاقة صداقة متينة تعرفت من خلالها على فطنته ومواقفه الوطنية المشرفة وذاكرته التي كانت حية حتى لفظ أنفاسه الأخيرة... رحيل الاب قسطنطين قرمش خسارة كبيرة للأردن والكنيسة... لترقد روحه بسلام.. نعزي انفسنا... ولأهله وأبنائه وبناته وأحفاده ومحبيه أحر العزاء..
Tareefjo@yahoo.com