منذ تأسست الدولة الأردنية كان الرهان أنها تلتئم وتلتقي في الكثير من شؤونها وخصائصها ومزاياها التي تفرّدت بها وتصدّر ذلك طبيعة الإنسان الأردني التي جُبلت على الطيبة والبساطة والخلق القويم والنهج المستقيم وتُرجم ذلك عبر مواقف لا تُعدُّ ولا تُحصى كان فيها الأردنيون في وحدة حال كالعروة الوثقى التي شُدَّ وثاقها بإحكام كي لا تنفصم ولا يؤتيّنَ من قبلها ولا من خلفها، وعبر هذا النسيج المتماسك صرنا في الحمى العربي الهاشمي «كالشامة بين الأمم» وعلامة فارقة لطالما أثارت اعجاب وغبطة وفي حالات أخرى «كيد» الآخرين حسدًا من?عند أنفسهم وكيف للأردن بقيادته وأهله وناسه يتجاوزون آلامهم في كل نازلة تحلّ بهم ويطوون صفحاتها ويخرجون منها أكثر عُدّةً وعتادًا وأعظم حُبًّا والتفافًا حول قيادتهم ويحرصون على مكتسبات وطنهم ويعضّون عليها بالنواجذ.
تلك مشاعر جيّاشة فاضت بها الروح وتملّكت على نفسي نفحاتها منذ حلّت بنا رحمة الله التي لم نقنط منها قط، واكتست الأرض الأردنية المعطاءة ورحّبت بالزائر الأبيض الذي زيّن محافظات المملكة في الوقت الذي تزامن هطوله مع الذكرى الرابعة بعد العشرين لرحيل أغلى الرجال المغفور له الملك الحسين بن طلال ومثلها من سنوات البيعة للمعزز جلالة الملك عبدالله الثاني حفظه الله، فتشكّلت أول المشاهد المؤثرة التي لا تملك العين إلا رؤيتها واليراع كتابتها ووصفها، فالتقى أبناء الشعب الأبي وارتفعت الأكفّ للخالق جلّ في علاه أن ينزّل شآبيب ?حمته على روح الحسين وأن يكون مع عبدالله الراجي منه العون والتوفيق والفلاح، وتلك لعمري الصورة ذاتها وفي الأجواء ذاتها يوم خرجنا من كل حدب وصوب نلقي نظرة الوداع على جثمان الفقيد الغالي ونتطلع بعين الأمل والثقة لمسيرة شقّ طريقها عبدالله الثاني بأمان وهكذا كان.
وأما الصورة الحيّة التي تكررت في مختلف محافظات المملكة وحُقَّ لنا الفخر والاعتزاز فيها، فتلك كانت على تعددها من أروع صور التلاحم والتكاتف والتعاون التي أبداها الناس عبر مشاهد متنوعة، فهذا مواطن يساعد آخر في دفع سيارته التي تعطلت، وذاك يهبّ لمساعدة امرأة تقطّعت بها السبل، وهناك آخر يحمل المواد الغذائية والكاز والغاز ويقدمها لمحتاج لم يجد ملجأ بعد الله إلا إليه، والعشرات من المواطنين يسارعون لفتح الطرقات طوعًا، ومثل أضعافهم يعلنون أرقام هواتفهم ويفتحون أبواب منازلهم لإيواء من ضاقت بهم منازلهم ذرعًا، وبهذا كن? على عهدنا بأنفسنا وحدة واحدة رُحماء فيما بيننا، نرعى زرعنا ونأكل من نتاج أيدينا، والمكان الضيق يتسع لمئة مُحب «على حد تعبير المثل العامي».
وأما أجهزتنا الأمنية والوزارات والمؤسسات المعنية التي قامت بمسؤولياتها على أكمل وجه فلها منا وافر التقدير والعرفان وقد كانت محط ثقة وتقدير جلالة الملك عبد الله الثاني الذي تلمس حاجة المواطن الأردني لمثل هذه الأجهزة الفاعلة في مسيرة البناء، فكانت توجيهاته السامية بأن أوعز بتزويدها بكافة التجهيزات والمعدات والآليات المتقدمة حتى تستطيع القيام بمسؤولياتها ومهامها في كافة الأحوال والظروف التي تقتضينا خدمة المواطن التي تقع في مقدمة أولويات وجدول أعمال جلالته.