كنّا طفلين صغيرين.. هو ماهر وأنا... باهر.. كنّا دومًا معًا.. كان يكبرني بعامين.. كنّا نفرح بالعيد معًا.. نزور المراجيح المصنوعة من خشب الطوبار في ساحة العيد.. معًا.
نتلقى عيديات عماتنا وخالاتنا وأعمامنا وأخوالنا.. معًا.. نفرح معًا ونتخانق معًا على أمور طفولية صبيانية تمامًا كما الضراير, كانوا يقولون عنّا أنّنا (روسيّة).. وهو اصطلاح يطلق على.. من مثلنا حيث أن أحدنا.. أنا، وُلدت بعده رأسًا ولا فارق كبير بالسن بيننا (عامان)، وبالتالي من المحتم أن نتخانق على حلوى على لعبة ما.
كان لنا جار بقال اسمه (أبو علي).. له بقالة بجانب بيتنا بحجم علبة كبريت.. كان عندما يرانا معًا نلبس ذات الملابس، ونحن نمسك بأيدي بعض في سنوات الشقاوة خمس ست سبع سنوات، كان ينظر إلينا ضاحكًا ويقهقه وينادي...(ماهر باهيييير). كنّا ننغاظ منه ونمدح له مدّيحية.. «أبو علي أبو علي بطبط......» كنّا لا نعرف ماذا تعني ولكن سمعنا أولاد الحارّة يمدّحونه بها.. من (مُدّيحيّة) ويفرّون.!!
كانت والدتنا تعاملنا كتوأم.. كانوا ينادوننا وكأن لكل واحد منا اسمين... اسمه واسمي، وأحيانًا ينادونني باسمه والعكس.
أذكر عندما قّدم والدي رحمة الله عليه أوراق أخي للقبول في الأوّل ابتدائي، اصطحبني للمدرسة.. (المدرسة الخالدية) في نابلس، على أساس أنني.. (ماهر) حيث كان عمري أقل من السن المطلوبة لدخول المدرسة. وتم الترتيب بأن يدخل أخي مدرسة النّجاح الوطنية وهي مدرسة خاصة، وأوصاني أبي بأن أدعي أنني ماهر.. تقدم الأستاذ نحوي بطربوشه وانحنى نحو الطّفل الصغير وربطة عنقه تتدلى أمامي وسألني..."شو إسمك؟!» قلت له وأنا أمسك بربطة عنقه ألهو بها..."إسمي (باهيّ)».. كانت لدي لدغة في لساني ألفظ الراء ياءً. كشفني الأستاذ صالح رحمة الله علي? و...رفضوني. دخلنا معًا مدرسة النّجاح الوطنية (جامعة النّجاح الوطنية حاليًا).
كبرنا... أصبحنا صبيين.. ثمّ مراهقين شابين.. كنّا معًا.. ماهر وباهر. افترقنا كلّ في بلد للدراسة الجامعية. لكن بقينا.. ماهر باهر.. كنت أراه أكبر سنًا منّي بكثير...أكثر حكمة أكثر اجتلابًا للأصحاب وكان يغيظني بترتيبه.. كان (مرتّبًا). كانوا زمان يطلقون على.. المنظّم (المرتّب) من يحفظ ملابسه نظيفة من يرتب سريره وأوراقه وأقلامه..(إمرتّب) وعليّ... (إمشوشر). كانت والدتي (أم مروان) رحمة الله عليها، تعايرني بشوشرتي، وتضرب بأخي مثلًا للترتيب والنظافة...شوف أخوك... خلًيك زيّه... إمرتّب. كنت أغتاظ وأزيد من...شوشرتي.
كنت دائم اللّعب دائم الحركة. كنت أهوى لمس أي شيء... كلّ شيء...كنت أحرك كثيرا أريد أن أعرف كثيرًا ألعب كثيرًا...أتسلّق أكياس الأرز والسكر لفوق...فوق في محل والدي التاجر رحمه الله. وكان العمّال والكاتب المحاسب يشهقون وينادون عليّ، و أخي في مكانه صامت يحسب حساب هندامه ونظافته وينظر إليّ أحيانًا بإعجاب، وأحيانًا باستنكار. وكنت أغتاظ من مديحهم له ولكن كنت أتصرّف كما أنا..كثير غلبة.
كثيرًا ما كنّا نتعارك لأمور صبيانية طفولية، وكنت غالبًا ما أكون المهزوم لأنني أغرق في الضحك خلال النزال، والضحك يضعف العضلات. أذكر يومًا أنّنا شاهدنا فلما سينمائيًا تحت عنوان(أمير الانتقام)...قصة في العصور القديمة في عصر المماليك. كان يجسّد صراع الخير بشخصية البطل(أمير الانتقام) و صراع الشّرّ بشخصية رئيس حرس الوالي(بدران) الظالم، انتهى الفلم بالنزال بين البطل و رئيس حرس الوالي الظالم بالسيوف. وبطبيعة الحال كما جميع الأفلام العربية فقد فاز الخير والحق وفاز البطل. ذهبنا لمنزلنا في نابلس ونحن متحمّسان. لم يك? أحد في البيت. قررنا ممارسة المشهد الأخير من الفلم.. النزال بيننا.. اختلفنا من منا أمير الانتقام... ومن هو (بدران) رئيس حرس الوالي الظالم.. وقررنا الاحتكام إلى النزال. حمل كل منّا سكين فواكه وادعى أنه البطل (أمير الانتقام).. تبارزنا.. فاز أخي.. جرح اصبعي (السبابة) وسالت الدّماء..شهدت له بالبطولة..وسارع لاسعافي. وسارعنا لأسرّتنا نصطنع النوم خوفًا من علقة من أبينا. ما زال أثّر الجرح قائمًا. كلّما رأيته أذكر... أخي... حبيبي.
كنت كثير الحركة، حتّى أن أحد الأساتذة (الأستاذ نصرت)، في صف الأوّل الثانوي وفِي حصّة المكتبة قال لي أمام زملائي في حصته وبالعربية الفصحى التي كان لا يتحدث سوى بها وأنا أقلب الكتب ولا أجلس مكاني.. وهو يلوك الهريسة..."يعيش.. أنت كثير الحركة... قليل...البركة!!!». سامحه الله. طبعًا بعد أن كبرنا ومارست الحياة أدوارها معنا... لم أعد كثير الحركة.
كبرنا.. افترقنا كلّ في بلد للدراسة الجامعية... اخترت الهندسة واختار التجارة... صنعة والدنا (شيخ التجار.. الحاج شكيب رحمة الله عليه).
تزوجنا أصبح لكل منا بيته وعائلته في عمّان العزيزة، واستمرّ التواصل والمحبّة والمودة وكنّا على تواصل رغم انشغالاتنا بأمور الدّنيا.
كان كثير السفر إلى نابلس ويغيب شهورًا لأعمال له هناك. عاد منذ أيّام من سفرة طويلة من هناك، اتصل بي.. فرحت باتصاله تمامًا كما زمان، زمان الطّفولة الصبا الشّباب.. تواعدنا أن نلتقي في اليوم التالي أو بعده. رنّ جرس هاتفي ليلة ثاني يوم من مكالمتنا. كان المتصل ابن أخي.. «ابن ماهر»، وصوته كالمصدوم لينبئي بوفاة (ماهر).. أخي وتوأم الروح.. فجأة وفِي بيته هنا في عمّان وبين عائلته. صُدمت.. بكيت، طلبت له الرحمة...هي مشيئة الله.
وداعًا أخي (ماهر)... يا رفيقي.. رفيق الطّفولة والصبا وكل مراحل حياتي. وداعًا يا حبيب.. أنت في ضيافة الرحمن الرحيم.. وستبقى في ضميري وذاكرتي.. ماهر.. باهر.. ماهر أخي الكبير الذي كان يشملني بظله بل ويشد أزري. رحمة الله عليك.. والبركة في عائلتك من بعدك.