كتاب

رفيقي.. صندوق البريد

كنت طفلًا.. صبيًا صغيرًًا.. نعم!، فالختيارية كما غيرهم.. كانوا أطفالا زمان بل وصبيان وصبايا. كان لوالدي (أبي مروان) رحمة الله عليه، صندوق بريد من رقمين. ذلك في بداية استعمال الصناديق...صناديق البريد. كنت أغتنم فرصة وجودي في الدكان... نعم الدكان... دكان والدي، افتح الدرج وأزمّ مفتاح الصندوق و..يا فكيك نحو (البوسطة). نعم اسم دائرة البريد وقتها..(البوسطة)، ومشتقة من اللفظ البريطاني الذي كانت الشمس لا تغيب عن بوسطتها.. (بوست أوفس).

أسارع بالتعربش على خزانة الصناديق استنادًا على رؤوس أصابعي...الصّغيرة. أدير المفتاح وأفتح الباب وأنظر. كان في الإمكان أن أنظر من خلال ثقوب باب الصندوق كي أرى هل هناك مكاتيب.. رسائل أم لا. لكن...كنت أعشق سماع صوت المفتاح يلفّ القفل..السّكّرة لدرجة أنني كنت أصر على فتح الباب، حتى لو اتضح من النّظر من خلال الثقوب أن لا شيء هناك. بل كنت أحيانًا كثيرة أمد يدي داخل الصندوق وأبحث في جوانبه حتى وهي واضحة للعيان أن لا شيء فيها، فحجم الصندوق لا يزيد عن نص قالب من خبز(التوست) الذي لم يكن معروفًا في زمننا.. زمان أيام اللولو.

وعندما يكون هناك رسائل خاصة من خارج البلاد فوالدي كان تاجرا مستوردًا من بلاد الواق واق وبلاد تركب الأفيال.رحمة الله عليه، كان من كبار المستوردين للمواد الغذائية؛ أحمل الرسائل... أضعها في عبّي.. وأطير بالبشرى لمحل والدي. أعطي شقيقي الكبير (أبا شكيب) رحمة الله عليه الرسائل بعد أن أخلع الطوابع (طوابع البريد) عنها لأحتفظ بها.

كبرت.. صار لي صندوق البريد الخاص بي في(جبل اللويبدة) حيث كنت أقطن، عليه اسمي وكسمي.. اسم مؤسستي (يعيش الهندسية للمقاولات). كان مكتبنا في جبل الحسين وكنت قد انتقلت لحي ما خلف جريدة الرأي لكن... تعمدت أن يكون صندوق بريدي في ذلك الجبل الهادي الجميل مرتع جزء من طفولتي في زياراتي لعمان، ومرتع شبابي وبداية الرجولة بعد تخرجي من الجامعة وعملي في أمانة العاصمة... عمان الحبيبة مهندسًا في تلك الأيام... كحجة لاستمرار زياراتي لذلك الجبل الهادئ.

اعتمدت يوم السبت موعدًا لزيارتي(شخصيًا) للصندوق، والقيام بما كنت أقوم به في طفولتي من شقاوة عيال حيال فتح الصندوق شقاوة...أشتاق إليها دومًا حتى في عهد ما بعدها بأجيال. كانت الرسائل كثيرة من أصدقاء شركات ودوائر. منها ما يسعد..ومنها ما يدفعني لإسماعه ما يفرّج ضيقي من ألفاظ. تطور الكون...بدأت الرسائل ترد عبر البريد الألكتروني... والواتساب.. الماسنجر وغيرها. قلّت الرسائل التي تصل عبر الصندوق...البوسطة. كنت أحزن شهرًا عن شهر وصندوق بريدي يعاني من العزلة والنكران بعد شوط طويل من خدمة البني آدم. أستمريت في القدوم في الموعد وأنا على معرفة أنني لن أحظى برسائل لكن.. كنت أقول.. ربما.. قد.. يمكن ما زال أحد من جيل البوسطة... ما زال يصرّ على التعامل معه فيتحفني برسالة.. ما.

أجدد اشتراكي في صندوق بريدي وقد وجدتها حجة لي لزيارة الجبل.. أسير في طرقاته بل في الشارع الطويل الرئيس منه (شارع كلية الشريعة) حيث عشت فيه مدة قصيرة..في القصر الأحمر الجميل أمل مباني البلاد.. بيت عمي المرحوم الحاج بديع وضيفًا عليه، وحيث عشت ردهة قصيرة من الزمن في منزل استأجرناه على مفرق البريد القديم.. حيث المقاهي حاليًا.

صندوق البوسطة.. جزء من تاريخنا لا يعرفه الأجيال الجديدة... فقدوا عنصر الحركة بالذهاب..

للبوسطة، فقدوا لذة فتح باب الصندوق بدلًا من النقر على لوح أصم أو صندوق تضعه في جيبك. فقدوا الطّرب في استلام رسالة خطها إنسان.. صديق رفيق أو... حبيب ولصق بابها ربما بريقه/ريقها.. الإنساني بل.. قد يكون المداد الذي كتبت به الرسالة بلون عيون من خطّها...خطتها بل قد..تفوح منها رائحة.. عبير صديق رفيق.

فقدوا لذة أن هذه الورقة مسها عزيز كتبها ومضى نحو البوسطة ليلقيها في صندوق الرسائل لتطير في طائرة، أو تبحر على متن سفينة. تبذل جهدًا كبيرا لترتاح بين يديك تحمل بين أحرفها أحلى الكلام.. كلام البني آدم بقلمه بريشته لا أحرف طائرة تتزاحم في الهواء...

العامل الإنساني في تواصلنا كاد يضمحلّ...خسارة كبيرة.