لقد تجاذبت الأحداث الخارجية والداخلية مجتمعنا وأصبح البعض يتحدث كالمتخصص في الشؤون الداخلية والخارجية ويفاخر بل يعيب بمعرفته، طبقة المسؤولين. ووصلت أخبار عنا، مشوشة للصديق، والمنافس والخصم. والعام الجديد، هو فرصة للتبصر والمراجعة. أنشد الخالق لبلادنا، وأمتنا الرفعة والأمان.
لقد عاصرت، رجالاً أقوياء، هم قدوة، زرعوا الأرض والقيم الاجتماعية والإدارية، وحافظوا على التراث، فأكلنا من ثمارهم. ونزرع نحن اليوم فيأكل من ثمار عزمنا من يأتي بعدنا. ويعظم بنظري رجال دولة وكبار، مُهابة قاماتهم، قادوا مركبة الحكومات. منهم الذكي الفطن، الذي لا يحضر اجتماعا إلا واعياً تفاصيله، لا يرتاح إن نازعه في ذكائه أحد؛ وآخر لماح يمتص صدمات المواقف الصعبة؛ وآخر قوي غاضب، يتمهل كثيراً قبل اتخاذ القرار، ويركن إلى دائرة ضيقة من وزرائه؛ وآخر هادئ عذب المنطق لا أشواك له؛ ورئيس متفتح حمل شاخصة الترشيد في المال والإدارة؛ ورئيس أنيق دمث لا تغريه التجارة، يتواصل دون صدام، لكن فاجأه بعض من سربه؛ وآخر كريم سريع في اتخاذ القرار نجح وأهله في الأعمال؛ ورئيس ودي تربوي لا يرتاح للقطاع العام؛ وآخر معتد بنفسه، يعشق الوطن ولا يبخل بجاهه، فلم يرق ذلك لمنافسيه؛ ورئيس له رؤية في مفهوم الأمن الوطني، لم تُحبطه شفافيته، وربما لم تُسعفه. كما وإن أردننا مازال خصباً بالمخلصين.
وعاصر وطننا في الخمسينات، فئة شباب، عشقت الايديولوجيات الخارجية، فاصطدمت مع الطبقات الوطنية المحافظة. وابتعد تفكير بعضهم عن بُنيتهم التقليدية المنتمية، وأضحت قيادات بلدهم مستهجنة ومحارَبة.اما إعلامُنا آنذاك كان بدائياً فلم يعكس محتوى فكرياً، بل كان تعامله مع الآخرين «ردة فعل لا مبادرة». وفي الثمانينيات رصدنا مغالاة في التعلق بالخارج من معلومات واهتمام، وعزوف عن التراث الموروث؛ وفاق الاهتمام «بالتنمية الاقتصادية البحتة» فارتفع مطلب الرزق، والعمل خارج المنزل لساعات طويلة، وفاق ذلك الاهتمام بتنمية الأسس الاجتماعية.
نعم ارتفعت معدلات النمو و دخل الفرد، وارتفع معدل زيادة السكان، وانخفضت وفيات الاطفال وارتفعت اعداد مؤسسات التعليم ومخرجاتها. ولكن صاحب ذلك كله، عجز معنوي وهشاشة في الاهتمام بالتراث، والتربية الوطنية، وضعف تماسّكِ الجيل الجديد بالاسرة والروابط العائلية. فظهر في الوطن أربع مجتمعات، وتفاوت في التنمية والدخل بين الافراد والأقاليم: مجتمع شباب مُقلد؛ ومجتمع التزمت العالق بأطراف التقاليد، لا بجوهرها ووسطيتها؛ والثالث مجتمع اللامبالاة، يعيش ليومه غير مكترث بانزلاقات المجتمع. والمؤسف في الامر، أن المجتمع الأول شارك بسلبيته الآخرين. والرابع هو مجتمع القلة الطيبة: هي غير صامتة وغير مُنظمة. وتتصف المجتمعات الثلاثة في اعلاه أنها ناقدة وتلقي باللائمة في أي عثرات، على المسؤولين، وراضين عن تهجّم الخارج على وطنهم.
إن حشد مجتمع القلة الواعية لغيرهم باتجاه الوسطية، كفيل بتعديل مسيرة المجتمعات الشبابية الاخرى. ذلك أن ترسبات الإخلاص والانتماء مازالت عالقة وراسية في نفوس شبابنا. ووُلاةُ الامر هم من يعلق الجرس للتغيير، من خلال برامج التربية الوطنية، والتعليم، وبالإعلام والتواصل، وإعادة التثقيف النوعي التكنولوجي، والتعليم الهادف، من قبل قنوات محترفة، خاصة وان إعلام الخارج يدخل كل بيت.
إن المرحلة التي يعبرها وطننا تملي إعلاء البناء على المنجزات. كما تُملي التمسك بالشفافية، وحرية الرأي، والصراحة، وتوفير المعلومة للناس، وتعبئة القوى الخيرة، واستثمار جينات الانتماء والاخلاص عند الشباب. فمجتمعنا طيب، يتطلع بعطشٍ، الى مستقبل تتجذر فيه ثقافة الإنجاز، وتعلو فيه اكثر سيادة القانون ونفاذه، والعدالة، واستقلال أهلها. وإن اكثر ما نتعلق به غطاء الامن وميزان العدل، واكثر ما نخشاه التجاوز عليهما؛ ويتطلع مجتمعنا كذلك الى تجذير «مدونة سلوك مدني» للحقوق والواجبات، «civic code» هي حدود للمواطن والمسؤول، والمؤسسات، هي دراهم تقِينا من الأزمات وممن قد يسيئ استخدام السلطة متجاوزاً على الحقوق والحريات.
ففي ذلك، منعة لـ «الرأس والجسد»، تجسد القدوة الحسنة عند الشباب، ليحافظوا على العهد، وعزة البلاد، وليعبروا بنا نحو مستقبل أفضل محافظين على أردننا حاضناً، وحصناً لأهله وإخوته، قمراً لآل البيت، جامعاً الأطياف على قواسم مشتركة من قيم روحية وشواخص مدنية إنسانية، متمسكين بميزان العدل، لنحافظ على الأمل ولا نفقده.
نحن بحاجة إلى حملة مستدامة «لإعادة اكتشاف الأردن» تستحق إثراءها، ببنية تحتية اجتماعية سياسية تتميز بالمعرفة والخبرة، وتعتز بالإنجاز، وتبني عليه، وتحترم بُناته من قيادات الأمة، تنظر الى الامام، لا إلى الخلف، إلا للاعتزاز وإنعاش الذاكرة، والعِضَةَ لتجنب السلبيات. إن إعلاء راية الأردن، تكون في حشد للمسؤول ذي الخبرةِ المستقيم، الذي يملك الادوات والصلاحيات ويمارسها. اننا مع ربط المسؤولية بالمساءلة، و"العصا لمن عصى»، وهي لكل متهرب أو مسيء للمسؤولية الوطنية. نريد إيمانًا أعمق وإنجازاً أعلى، لا غيرهما.
نحن بحاجة إلى مراجعة مستمرة، لسلم الأولويات الوطنية في مجالي التطوير والانفاق على المشاريع، وفق الجدوى، والمتابعة المادية والحسية، بعيداً عن الاجتهاد الفردي، وعن جاهِ مسؤول، أو إملاء أو عُلو صوت مجموعة متنفذة. ذلك هو النهج الذي يخدم وليَّ الأمر، ويرفع من خلاله أكثر، سقف الحرية المسؤولة، ويقلص احتمال عشوائية المشاريع،ويُعتقنا من عناء البحث عن عذر عند الخطأ.
إن إعادة اكتشاف الأردن هي في رفع الحس المدني والمسؤولية الاجتماعية عند النشء الجديد ابتداءً من مراحل الدراسة الاولى. أليسَ تدريس مواد كالدستور، والضرائب، والتطوع والمسؤولية المجتمعية، في معاهدنا التعليمية، إحدى وسائل غرس الحسِّ الجماعي الاجتماعي عند أبنائنا؟ كذلك تجذير فضائل ثقافة حُسن التدبير والادخار بعيدا عن فايروس «الأفلونزا «_ الاستهلاك الترفي الجامح المقلِّدَ «affluenza"؟
إن «نفطنا في العقول» وليس فقط في الحقول، فرفع سوية المعلم والتعليم المهني التقني، هو الاستثمار طويل الأجل نحرر من خلاله الفرد من الحاجة، ونضع آلة المستقبل بين يديه لكسب العيش.. «واللي أُمه خبازة ما بجوع».
كما ويعاد اكتشاف الأردن بإعادة رسم «خارطة اقتصادية» له في ضوء خارطة القُدرة والحاجة. ويتحقق ذلك عند اعطاء التحول الاقتصادي مفهوماً جديداً، «لإقتصاد له قلب»، على الاقل حظاً بيننا، وعند فرض الضريبة وتوزيع عبئها بعدالة، وتوزيع الاستثمار والخدمات على المحافظات لكي تحظى بنصيب ملموس، ولتكون تنميتنا متوازنة، وتدريجياً بعيدًا، عن الازدواجيةdualism-قطاع كبير ضعيف وآخر صغير غني. ولتعلي الرأسمالية الوطنية مساهمتها: من شركات ومصارف ومؤسسات وأفراد–أي دعمها المبرمج وبالتدريب المهني والتشغيل، لا بالفزعة الموسمية. عندها تصبح الرأسمالية وطنيةً وشريكة للدولة في تحويل ذوي الحاجة قوى إيجابية ورماح تذود عن الوطن وأمنه. اننا نعشق الأردن وإنسانه، ريفه، وباديته، ومدنه، وقراه، زرعا وضرعاً، سهلا ووعرا»، هو ظهير فلسطين والعرب، ظهير إخوتنا، فهم أهلنا وهُم عندنا دوماً كرام.
إن حرية الرأي هي ميزان للمسؤولة والديمقراطية الحقة. فلا منطق ولا حاجة لأية قيود، كما يجري في الجوار. ولا منطق ولا جدوى لجلوس أي مسؤول على كرسيه دون الوصول للناس لمعرفة حاجتهم. ففي غيابه يترك فراغاً للعابثين، ويسوء الفهم. ولا جدوى للصالونات الترفيه السياسية جميعها في ظل ممثلين للشعب برلمانيين مؤهلين أكفاء. إن الالتقاء بالناس ميزان ومجس ميداني ثمين للتعرف عن مدى انجازنا وأمراضنا «مباشرة» منهم، وشاخصة لمعرفة صحة خُطانا، وأداة للتصحيح وكابح يمتص الانفعالات. فلا يصح البتة إهماله. ولا مرحباً عندنا لتجار الفرقة أو الفتنة المقنعة التي تُفرق، بل تثقب سفينة الوطن، وتسهم في الضجيج. كما ولا أهلاً بمن لا يقوم بواجبه بأمانة وكفاءه.
وإنني على ثقة أن لا أحد منا يرغب وضع كمامات على الأفواه، بل نحبذ أن يضع بعضنا أولاً مصفاة عقلانية ذاتية، على الكلمة واتقاء الله في المواقف واحترام نبل نظامنا وقيمنا.
إن المنظومة الأمنية ورجال الأمن فيها، هم إخوتنا ومن جلدتنا، حُماة الوطن وغطاؤنا الأمني؛ كل جهاز في المنظومة ملزماً أن يعمل ضمن اختصاصه–يحمي ولا يتعدى؛ يفدي بروحه لنأمن في بيوتنا ومواقعنا؛ هم عيوننا التي نرى بها. ونظرة عاجلة على الأرقام، تشير إلى أن غلبة الشهداء هم أمنيين، يحتاجون منا وعائلاتهم، مع الدعاء لهم بالرحمة، «بوليصة تأمين أكبر» ودعم مادي ومعنوي أعلى. الوقفة مع عائلاتهم، هي وقفة عبادة. «كم مِنّا في القطاع الأهلي»، أنشأ صندوقا أو حساباً أو كرسياً، لتدريس وتدريب وتشغيل أبناء الشهداء؟!
الأمل، مازال كبيراً بقدراتنا الوطنية، وعناية الله بنا أكبر. فمؤسساتنا قادرة على التطوير والتعديل والمراجعة، وشد أحزمة العقول وتصحيح وتطوير الذات. فوطننا غالٍ وإنجازاته ثمينة جديرة بالفخار والدفاع عنها. فكم هانت أوطان بخل وتخاذل أهلها عن حمايتها..
وكل عام والأمة بخير. اللهم بحِفظك الأمين، احفظ بلدنا وقيادتنا وأمتنا.