أربعة شهداء أبطال ارتقوا يوم أمس إلى عليّين سقطوا غدرًا وهم يؤدون واجبهم المقدّس تجاه وطنهم الأبي على الفتن العصي على المؤامرات والمتمسك بقيمه وثوابته، وعلى درب من سبقهم أسلموا أرواحهم الزكية ليتوسّدون الثرى ويجاورون زميلهم وشقيقهم وشريكهم في الجهاد والكفاح والاستبسال في حب الوطن الشهيد الدكتور عبد الرزاق الدلابيح الذي دفع هو الآخر حياته ثمنًا لكي يبقى الأردن صامدًا في وجه التحديات التي فرضتها عليه مواقف قيادته الشجاعة وهي تنذر نفسها وفاءً لقيمها ودفاعًا عن أمتها العربية ورد كيد الطامعين بها وبمقدراتها.
اليوم تبكي الأردنيات أخوات الرجال، ويلف الحزن وجوه الرجال والأطفال والشباب وهم يودّعون ثلة من خيرة شباب الوطن إلى مثواهم الأخير، وقد أعطانا كل شهيد منهم درسًا في الصبر على احتمال المكروه، والشجاعة على احتمال الألم، والأردنيون اليوم باتوا على علم أكثر من أي وقت مضى أنه لولا هذه الفئة الظاهرة على الحق من أبناء الوطن امثال هؤلاء الشهداء لما علا صوت الحق أبدًا، ولا ارتفعت راية الوطن، ولانتصر الباطل والظلم على الحق والعدل، ولعمري أن رسالتهم تحمل في طياتها كل معاني الشرف والإباء، وتضرب أروع الأمثلة في التضحية.
هؤلاء الأردنيون لن نجد ما نقول فيهم، ولن نصل إلى مستوى قيمتهم وكرامتهم العليا التي أعدت لهم، هؤلاء الأحياء فينا، فارقوا الحياة ورحلوا بعيدا عن عيوننا بعد أن استوطنوا قلوبنا، مضوا جميعا على درب مئات من الشهداء الذين سبقوهم من إخوانهم الأردنيين الذي غادروا الأرض وفارقوا الأهل والأحبة كي يبقى هذا الوطن حرا أبيا عزيزا وعتيّا على كل معتد وآثم سولت له نفسه النيل من مقدرات الوطن التي بناها الآباء والأجداد لحظة بلحظة وخطوة بخطوة.
ذات يوم وفي موقع معركة الكرامة التي خلدت اسم امة العرب، وقف جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين وقال: إن الشهداء هم أكرم الناس، وجلالته بذلك إنما أراد لتاريخ الشهداء وذكراهم أن يبقى ماثلا في نفوس أبناء هذا الوطن وان عليهم إحيائه بصورة تبعث فيض ذكريات الماضي وتتمثل يقظة الحاضر التي تحمل فكر الوطن وتتمسك بترابه من اجل عزته وكبريائه بمنتهى الجدية والالتزام وضمن إطار نوعي يسهم في تطوير وصياغة الأردن الحديث.
نعم، ان الشهداء في نظر القائد الأعلى هم أولئك الذين يجب أن يكونوا لنا القدوة الحسنة والصورة البطولية الرائعة التي تطالعنا صبيحة كل يوم لنأخذ العبرة ونتشرّب روح مجاهدتهم ونستوعب الدرس ونجدد العزم على التمسك بمبادئ الرسالة السامية للأردن التي حملها لنفسه ولامته وكان إحدى أهم ركائز ودعامات الوطن العربي وضمانة من ضمانات وجوده وتعزيز قدرته على الحياة ومناصرة الحقوق العربية مهما غلا الثمن وارتفع مستندا في ذلك إلى شرعية الحكم ومبادئ الثورة العربية الكبرى.
إن الأرض الأردنية التي سار على أديمها الأطهار من الصحابة، جعفر بن أبي طالب، وأبي عبيدة، وشرحبيل بن حسنه، ومعاذ بن جبل، وان هذا الوطن الذي لامس أقدام محمد علية السلام، ثم ورث الثورة العربية الكبرى ومبادئها الجليلة في الوحدة والحرية والاستقلال لكل العرب، عاش على ساحة عزيزة من ساحات النضال القومي منذ رفرفت في سمائه راية العز والمجد، تسمو وترتفع بسواعد البناة الأوائل بقيادة عبد الله بن الحسين وهو قائد من قادة الثورة العربية الكبرى ومؤسس الأردن الحديث، وقد ظلت المملكة الأردنية بقيادتها الهاشمية ثابتة على عهدها ?ون تغيير في مبادئها أو تبديل في مواقفها القومية، وكان على امتداد نضال الشعب الفلسطيني وثوراته المتواصلة، يشاركهم تبعات النضال ويشترك معهم في سرائهم وضرائهم. والأردن بذلك إنما كان يصدر بكل الصدق والإخلاص عن رسالة قومية آمن بها ولم يساوم عليها منذ أن بشر بها الحسين بن علي طيب الله ثراه.
رحم الله شهداء الوطن.