كتاب

«تلكَ أوطانُنا»

في بلادنا، كانت تقال حكايات، عن أناس يحبون الأنهار والبحار والمطر، ويصادقونها أيضا. بل وينتجون من تلك الصداقات علاقات مثيرة، وأنماط عيش مدهشة. ما مكّنهم من اكتشاف المكامن السرية للسحر والعذوبة والمباهج لفتنة الطبيعة في تلك البلاد، وبالتالي قدرة العيش البهيج، ومنح الطبيعة فرصة التطور الإيجابي، والتكامل مع ساكنيها من البشر والكائنات الأخرى. فاستحقوا جدارة القول عن تلك البلاد: هذه أوطاننا، وتعلموا كيف يمكن للبشر أن يقيموا علاقات مدهشة، وبأشكال وطرائق فائقة، مع فتنة جمال تلك الأوطان. أما نحن، فليس لنا إلا ما نحن فيه، وما أوصلنا إليه أوطاننا ونفوسنا، من تصحّرٍ وجفافٍ وعيشٍ نزقٍ..!

كل شيء في حياتنا، على هذه الأرض التي نسميها أوطاننا، مشدود، وبلا أسباب واضحة. فأوطاننا، في كلامنا المعلن، لا تشبه أوطان الناس. فهي دوما الأجمل والأغنى والأقدس، من أوطان الآخرين..! وفي تفاصيل العيش اليومي فيها، يتلاشى الجمال والغنى والقداسة، وتحلّ محلها البشاعة والضحالة.

فلا الحداثة، المتمثلة في مدننا، أنتجت قيمها وأخلاقها ونسيجها الاجتماعي. ولا البساطة، التي تمثلها أريافنا، ظلت كما هي. ولا الأصالة، التي تشكلها البوادي، ونزعم انتماءنا لها، بقيت على حالها. خليط من أنماط عيش، أقل ما يقال فيه إنه مشوّه.

مدنٌ وأرياف وبوادٍ، وما بينهما من أشكال استقرار عشوائي، تنتظم حياة الناس، في بلادنا. وما إن تُفاجئ المجاميعَ خضةٌ ما، داخلية أو خارجية، حتى تختفي من حياتهم ملامح الحياة المدنية والحضرية، بما فيها أصالة البادية. ليعود الجميع بعدها إلى أنماط عيش وعلاقات سابقة على أشكال الاجتماع البشري الأولى في العيش والاستقرار.

أنهارنا تجفّ، من دون أن تسمع صراخا من أحد، احتجاجا على اختفاء أنماط العيش النهري، في المدن أو في القرى. فلا نخشى على أنهارنا سوى من الخارج، أما نحن، فلنا أن نجفّفها ونلوّثها ونحيلها إلى مكاره صحية، أو حتى مياه صالحة، مهدورة في البحار أو في أعماق الأرض!

بحارنا تنحسر، وتكشف مزيدا من يابسة الأوطان، وتزداد شواطئها تلوثا، ولا يرف لمدن السواحل جفن. بحارُ بلادٍ، لا تزال هي المدى، الذي يحمل للناس آمالا بصلات طبيعية بالعوالم الأخرى، تتحول إلى مكبّات نفايات، شديدة الخطورة. وخصومات تجارية(!)، يزداد سعارها، على حافة المدى المفتوح، لمقدار ما يكشف عنه البحر من يابسة.

سهول وسهوب ومروج، يأكلها الإسمنت المسلح بأنياب التلوث، وحريق المزارع والخضرة، ومؤسسات معنية لا تكترث إلا بتجميل يافطاتها، وتكرار الكلام المَكرور عن مشاريعها.

جبال وهضاب وتلال، تتآكل خضرتها، بوتيرة غير مسبوقة. ونعجب لماذا تتضاءل مساحات الهواء النقي، وقبله تلاشي مساحات الجمال الطبيعي، وما تتركه في النفوس والضمائر من راحة واسترخاء، عند نهايات الأسابيع أو الفصول.

مراعٍ وبهائم ودواب، كانت تشكل الجزء الآخر من الطبيعة الصامتة، نبحث لها اليوم بنهم عن غذاء صناعي، يكاد يأخذ قسما كبيراً من مواد وعيش المجاميع البشرية.

أليس من الطبيعي، والحالة هذه، أن تتدهور بشكل فادح قدرة العيش عند البشر، في أوطاننا، أياً كان مكان إقامتهم..؟ وكيف يمكن أن يستقيم الحديث، بعد هذا، عن أسئلة تطوير مستوى العيش في المدينة العربية..؟! أوَ ليس الأجدر بنا العودة بأسئلة العيش إلى بداهاتها الأولى..؟.

fafieh@yahoo.com