كتاب

التغطية الصحية الشاملة.. اليوم وليس غداً

ما دفعني لكتابة هذا المقال ليس فقط أن الأمم المتحدة اعتمدت الثاني عشر من كانون الأول من كل عام يوماً دولياً للاحتفاء بالتغطية الصحية الشاملة، بل ايضا ذاك الفيديو المتداول لوعود قطعها رؤساء حكومات سابقة بأنهم جادون في تحقيق التغطية الصحية الشاملة، وتمضي الايام والاعوام دون تحقيق التغطية الموعودة بالرغم من توفر الإرادة السياسية لذلك، فجلالة الملك عبد الله الثاني كان قد وجه جميع الحكومات المتعاقبة خلال العقد الاخير لإيجاد تأمين صحي شامل وعادل ومستدام.

إن احتفال العالم بهذا اليوم و تحت عنوان: بناء العالم الذى نصبو إليه » مستقبل صحي للجميع » يؤكد أن الصحة حق إنساني يستلزم توفيرها لجميع المواطنين دون استثناء وأن الفقر وعدم القدرة على دفع تكاليف الرعاية الصحية يجب أن لا يكون عائقاً أمام الحصول عليها، فحماية المواطنين من العواقب المالية للدفع من جيوبهم لقاء الحصول على الخدمات الصحية يحدّ من مخاطر تعريضهم للوقوع في براثن الفقر المدقع بسبب الإصابة بأمراض غير متوقعة تقتضي منهم إنفاق مدخراتهم أو بيع أصولهم أو الاقتراض.

يهدف اليوم الدولي الى إذكاء الوعي بضرورة إقامة نظم صحية متينة وقادرة على الصمود والعمل على تحقيق التغطية الصحية الشاملة مع مختلف الشركاء من أصحاب المصلحة، كما يرفع مناصرو التغطية الصحية أصواتهم عالياً في هذا اليوم داعين إلى مشاطرة قصص معاناة الذين ما زالوا ينتظرون تزويدهم بالخدمات الصحية، ويدعون القادة إلى توظيف استثمارات أكبر في الصحة لتعبيد الطريق امام التغطية الصحية الشاملة، الفكرة القاضية بضرورة حصول جميع السكان على جميع الخدمات الصحية الضرورية والجيدة والمعقولة التكلفة التي يحتاجونها ابتداء من تعزيز الصحة إلى الوقاية والعلاج والتأهيل والرعاية التلطيفية دون تعرضهم لضائقة مالية جراء ذلك، فهي أي–التغطية–لا تعني مجانية جميع التدخلات الصحية، فهذا ليس بإمكان أي بلد في العالم، و لا تتوقف على مجرد توفير حزمة الخدمات الصحية الاساسية، ولكنها تتعلق أيضاً بضمان التوسع التدريجي في تغطية الخدمات الصحية والحماية من المخاطر المالية مع توفير المزيد من الموارد، ولا تتعلق بالتمويل فقط، بل تشمل جميع عناصر النظام الصحي.

يعتبر التحرك نحو التغطية الصحية الشاملة أحد الأهداف التي تبنّتها بلدان العالم–والاردن منها–عندما اعتمدت أهداف التنمية المستدامة في عام 2015، فتقدم البلدان نحو تحقيق هذا الهدف سيشكل تقدّماً في بلوغ الغايات الأخرى المتعلقة بالصحة والأهداف الأخرى للتنمية المستدامة، فالصحة الجيدة تشكّل ركيزة اساسية للتنمية الاقتصادية الطويلة الأمد، علما بأن الاردن قد صادق على الاتفاق العالمي الرامي إلى المضي قدمًا نحو تحقيق التغطية الصحية الشاملة بحلول عام 2030، كما يتطلب التحرك ايضا تعزيز النظام الصحي وتوفير هياكل تمويل متينة، ومن شأن الاستثمار في الرعاية الصحية الأولية الجيدة التي تقوم على العدل والإنصاف والاستدامة أن تكون حجر الزاوية في تحقيق التغطية الصحية الشاملة وكذلك الاستثمار في القوى العاملة في الرعاية الصحية الأولية هو الطريقة الأكثر فعالية من حيث التكلفة، فتحقيق التغطية الصحية الشاملة يتطلب التحول من نظام صحي يتمحور حول الأمراض وعلاجها إلى خدمات صحية تتمحور حول الافراد واحتياجاتهم، فثمة مكاسب صحية واقتصادية وحتى سياسية ستحققها الدولة عند تنفيذ التغطية الصحية الشاملة، صحيا فهي لا شك ستحسن صحة مواطنيها، واقتصاديا ستقدم برامج فعالة للحد من الفقر وعدم المساواة، اما سياسيا فالقصص كثيرة، لعلّ افضل مثال على ذلك، رئيس إندونيسيا جوكو الذي شكل إصراره على تحسين تغطية الرعاية الصحية سببا رئيسيا في تحسين وضعه السياسي من محافظ لاحدى المدن الصغيرة إلى رئيسٍ للبلاد.

يرى خبراء الصحة أن أنجح السبل لتحقيق التغطية الصحية الشاملة أن تقوم الحكومة بوضع خطة استراتيجية تتضمن الإجابة عن ثلاثة أسئلة محورية، تحدد من خلال الإجابة عنها من هم المشمولون بالتغطية وماهي الخدمات المقدمة لهم ومدى جودتها ومستوى الحماية المالية التي ستوفرها الدولة للمواطنين أثناء حصولهم على هذه الرعاية؛ حيث يعتمد نجاح أي خطة على مدى قدرة الحكومة على إيجاد توازن بين هذه المحاور الثلاثة ؛ حيث إن التقدم في أحدها على حساب الأخرى قد يعرض الخطة بمجملها للفشل، و يتعين على صانع القرار، عند الإعداد لأي خطة لتحقيق التغطية الصحية الشاملة، استحضار الركائز الأساسية التي تقوم عليها التغطية وهي العدل والإنصاف والمرونة والاستدامة، فأي نظام للرعاية الصحية الشاملة يجب أن يحقق العدالة بين المواطنين في جودة وشمولية وسهولة الوصول الى الخدمات الصحية، خاصة في بلد كالأردن يعاني من سوء تنظيم قطاع النقل، وأن تتحلى برامج الرعاية الصحية بالمرونة الكافية التي تجعلها قادرة على الصمود في مواجهة الطوارئ والأزمات، كما يجب التأكد من استدامة الموارد المالية على المدى البعيد.

خلاصة القول، ان أفضل وسيلة لتمكين الدول من تحقيق نهج أكثر تكاملا هو تعزيز الرعاية الصحية الأولية، التي تمثل أول نقطة اتصال مع النظام الصحي لأغلب الناس، اذ بوسع مقدمي الرعاية الصحية الأولية أن يوفروا أكثر من 80% من الاحتياجات الصحية للمواطنين، وان الاستثمار في القوى العاملة في مجال الرعاية الصحية الأولية هو الطريقة الأكثر فعالية من حيث التكلفة لضمان تحسين إتاحة الرعاية الصحية الأساسية.

أمين عام المجلس الصحي العالي السابق

amman992001@gmail.com