مجلة «فورين أفيرز» الأميركية، أو «شؤون خارجية»، هي واحدة من أهمّ المطبوعات، التي يحرص الزعماء والسياسيون والمفكرون في العالم على الكتابة فيها، فهي تصدر عن وزارة الخارجية الاميركية، وقريبة من صانع القرار السياسي والعسكري والاستراتيجي في الولايات المتحدة، وقد كتب فيها، وما يزال، العديد من الزعماء والمفكرين العرب وغيرهم، ولا أدلّ على حجم تأثيرها الثقافي والسياسي، من قيام النخبة الفكرية الفلسطينية بتقليدها، عبر مجلة «شؤون فلسطينية» في مطلع العام 1971، الصادرة عن مركز الأبحاث، التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية.
ولا غرو في ذلك، فمعظم القائمين عليها، آنذاك، هم من خريجي الجامعات الأميركية، وخصوصا الجامعة الأميركية في بيروت، أو من أبناء المدرسة الأميركية في التفكير السياسي، والتقليد المشار إليه لم يكن في الاسم فقط، بل في كل شيء، من التبويب، والمعالجة، والعرض الصحفي، والموضوعات.. إلخ، حيث حققت انتشارا وتأثيرا عربيا واسعا، طوال السبعينيات وحتى أوائل الثمانينيات.
في مطلع السبعينيات، وبعد تأسيس مجلة «شؤون فلسطينية» بأشهر، احتفلت النسخة الأصل؛ «شؤون خارجية» الأميركية بيوبيلها الذهبي، بعد مضي خمسين عاما على تأسيسها في العام 1922، واختار محررها المسؤول «هاملتون آرمسترونج» آنذاك، التذكير بالأسس التي قامت عليها فكرة دولة «الولايات المتحدة الأميركية». فكتب مقالا يمكن ترجمة عنوانه بـ«أميركا المنعزلة» أو «أميركا البعيدة»، أو «أميركا القَصيّة Isolated America».
في تلك الفترة، كان المفكرون الاستراتيجيون الاميركيون يخشون على المجتمع الأميركي مما سيفرزه زمن الستينيات من تطور ناتج عن اندماج «الاتصالات اللاسلكية» مع التقنيات الصناعية الحديثة، وهو ما نسميه اليوم «ثورة الاتصالات». المثير، وهو ذو دلالة، أنّ المحرّر المسؤول «آرمسترونج» ذكّر في مقاله بأوّل محرّر للمجلّة عند صدورها، وهو «آركيبالد كاري كولدج»، وذلك عبر التذكير بمقال كتبه «كولدج» عام 1897، أي قبل تأسيس المجلة بربع قرن، وقد حدّد ذلك المقال رؤية الولايات المتحدة لذاتها وللعالم، قبل الحرب العالمية الأولى وبعدها، وكان المقال سبباً في تأسيس مجلة «شؤون خارجية» واختيار «كولدج» كأوّل رئيس تحرير لها عام 1922.
مقالُ «كولدج»، كان يحمل عنواناً داخلياً بمضمون روائي؛ «الولايات المتّحدة كقوّة عالمية». وفيه، اقترح دوراً جديداً للعالم الجديد «أي أمريكا»، وقد تم تبنّي هذا الفهم في سياسات الولايات المتّحدة، وهو فهمٌ قام على تعريف أميركا لذاتها، أمام العالم، وأمام أوروبا، التي كانت تعصفُ بها أزمةُ قومياتها، كما يلي؛ «إنّ كلّ الأمم تقسّم النّوعَ البشريّ إلى قسمين، ذاتها أوّلاً، وكلّ آخر ثانياً، وأنّ الأميركيين يختلفون عن ذلك، وأنّهم نموا وتطوّروا بشكل عظيم، اعتماداً على أنّهم ليسوا نوعاً بشريّاً مستقلّاً، بل إنّهم تكوّنوا بشكل أساسيّ من المهاجرين والغرباء. وهو تحليل سابق بوقت طويل لتفهّم الشعب الأميركي لفكرة تورّط بلادهم في الحرب العالمية الأولى، ومبرّراتها المعلنة، بجعل العالم «آمنا وديمقراطياً»، وفق الصيغة الأميركية. وكذلك قبل أن يتقبّل الأميركيون أخبار مقارعة رئيسهم «ويلسون» ومستشاريه لرجال الدولة الأوروبيين، وتورّطهم في سياسات القوّة للعالم القديم.
المفارقة، أنّ رئيس التحرير، في زمن يوبيل المجلّة الذهبي، أوردَ ما أوردَ مِن ثوابت ومنطلقات، ليذكّر بمأزق الولايات المتّحدة حينها في «حرب فيتنام»، ورأى أنّها كانت «حربا لم ننتصر فيها، ولم يكن هناك إمكانية للانتصار فيها». فهي أطول وأسوأ الحروب، التي خاضتها الولايات المتّحدة في تاريخها، لأنّها احتلّت، بالسياسة، أرواحَ الأميركيين ووقتَهم، منذ اندلاعها، من بدايات صغيرة إلى حدودٍ من الرعب والكابوس.
«هل هذا حلم؟»، لم يجد «آرمسترونج» غير هذا التساؤل المحموم، ليختم به أطول فقرات مقاله، في اليوبيل الذهبي لـ«السياسة الخارجية الأميركية» (!)، وقد كرّره مرات عديدة، متسائلاً عن الخطأ في أن يُشكّل التاريخ أساساً للمستقبل. وداعيا إلى العودة إلى أرواح وضمائر «آبائنا»، للانطلاق بمغامرات روحية جديدة، غير تلك السياسة الحالية التي أوصلت إلى فيتنام، ومذكّراً بأهميّة «تبنّي الروح المدنية كجزء أساسيّ للسلوك الجيد»، وبضرورة «تشجيع النموّ عند النُخب في شتّى الحقول»، في الفنّ والتعليم والثقافة، و«بتقبّل الرأي الآخر كعنصر أساسيّ لتقوية الديمقراطية»، وأكدّ أيضاً بأنّ «العلم ليس ضدّ حاجاتنا، وأنّ حاجاتنا ليست ضدّ العلم».
ولعلّ أهم ما ذكره «آرمسترونج» هو تذكيره بمقال نشره أحد العلماء، في العام 1932، في المجلّة، قائلاً: «إنّ عالَماً مسالماً سيكون أكثرَ إدهاشا وإثارة، لجورج واشنطن، مِن عالم الاتّصالات اللاسلكية»، ودعا إلى وجوب إعادة «اكتشاف الثقة بأنفسنا، واحترام الذات، واكتساب ثقة العالم للأمّة الأميركية»، حين يفكّر أحدٌ بها.
تُرى، هل هناك فائدة اليوم، من إعادة تكرار سؤال «آرمسترونج» أمام الجنرالات الجدد: «هل هذا حلم؟»، بعد أن انفلتت الولايات من عقال «عزلتها القصية»، إلى عالم صارت فيه القوة الوحيدة..؟!
fafieh@yahoo.com