فيما يتواصَل الشغور الرئاسي في لبنان, إثر فشل مجلس النواب في انتخاب رئيس جديد بعد ثماني جلسات (آخرها اليوم الخميس 1/12), خلفا للرئيس السابق ميشال عون الذي انتهت ولايته يوم 31/10 الماضي. واستمرار حال استقطاب حادّة بين أطراف ومُعسكرات النخبة السياسية والحزبية بامتداداتها «الروحِية» خصوصاً. حيث لـ«رجال الدين» دورهم وحصّتهم في هذا الشأن, كما غيرها من الشؤون التي أوصلتْ لبنان من بين أمور أُخرى, الى أزمات ومنعطفات وكوارث بل الى حروب أهلية, ذات طابع تحريضي محمول على شحن طائفي ومذهبي, يجد دعماً وتمويلاً من عواصم د?لية غربية في الأساس, ناهيك عن أخرى إقليمية من بينها إسرائيل.
في حال مأزومة كهذه, يبرز في الأثناء رئيس حزب القوات اللبنانية الانعزالي, أمير الحرب الأهلية بل أحد مُشعليها وأشهرهم في القتل على الهوية.. سمير جعجع, عبر خطابات وتصريحات نارية ومقابلات مُتلفزة ومقروءة, آخرها مقابلة صحافية امس الأربعاء مع صحيفة «الشرق الأوسط» اللندنية, أعاد فيها «كمّاً» لا بأس به من تُراث وخطاب ميليشياته المُسمّاة خلال الحرب الأهلية: «القوات اللبنانية», وهي التي تحوّلت الى حزب سياسي يحمل الاسم ذاته بقيادة جعجع, على نحو يشي بأن الرجل لم يُغادر مُربع ومناخات الحرب الأهلية, بل ما يزال يعيش على ?أمجادها», مُفاخرا بالدور الذي لعبه وما يزال يُلوِّح باستعداده لـ«المواجهة» إذا ما ضاقت به السُبل.
وإذ يُعيب جعجع على خصومه في التيار الوطني الحُر (حزب الجنرال عون وصِهرِه/ جبران باسيل), كما حزب الله, أنهم «لم يأخذوا أي عِبر مما حصل, حيث ما يزالون - كما قال - على ممارساتهم القديمة, التي - أضاف - لم تُنتِج حلولاً للأزمات. فإن اللافت في كل ما قاله في المُقابلة المُطوّلة مع «الصحيفة اللندنية», هو إعادة أُسطوانته المشروخة المعروفة منذ سبعينيات القرن الماضي, عندما فجّر حزب الكتائب/ حِزبه.. الحرب الأهلية. كان هو خلالها الذراع الأيمن لقائد الجناح العسكري في ميليشيات الحزب الانعزالي «بشير الجميّل», الذي احتكر ا?تمثيل المسيحي في لبنان, مُتحالفاً مع إسرائيل وتحت إمرتها في اجتياح لبنان واحتلال العاصمة بيروت في العام 1982. بالضد من الغالبية العظمى من اللبنانيين على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم.
وها هو بعد نصف قرن على اندلاع تلك الحرب وثلاثة عقود على انتهائها يخلع على نفسه وحزبه لقب «السياديين», فيما يرى في خصومه «عملاء» لعواصم إقليمية (وليست دولية فحسب لأنه ومَن يتماثل معه احتكروا أو وضعوا أنفسهم في خدمة التحالفات الدولية وعواصم القرار الغربية. ولا يني مواصلة التشاور معهم عبر سفرائهم وسفيراتهم. ناهيك عما نسجه من تحالفات إقليمية باتت ترى فيه عواصم تلك الدول رأس الحربة في حروبها الإقليمية, بامتداداتها الدولية بالطبع.
تواصُل الشغور الرئاسي بعد فشل القوى المتحالفة مع جعجع وحزبه في إيصال مُرشحها «الباهت والمُستفِزّ»، يدفع رئيس حزب القوات اللبنانية الى حال من الغضب اقرب الى الهستيريا. عندما يقول (في المُقابلة): الحل الوحيد لانتخاب رئيس جديد للجمهورية هو أن «يكون لدى النواب، ما يكفي من الكرامة والشرف للذهاب إلى البرلمان والانتخاب».. هكذا وبكل غطرسة ينزع عن نواب مُنتخَبين «الكرامة والشرف»، ويُنصِّب نفسه حارساً للأخلاق وللديمقراطية, موصِياً على لبنان ومصالحه, بل وايضاً في اعتبار نفسه وحزبه ورهط الداعمين له.. «سِياديّين»، فيما?الآخرون «عملاء واتباع وخدم لأجندات إقليمية».
يغرِف جعجع في مفرداته ومصطلحاته من قاموس قديم معروف ومُوثَّق، لكنه ازداد نقمة وغضباً عندما بات على قناعة أنه شخصياً «لا» يمكن ان يكون «رئيساً» للبنان, وليس مُرشحاً طبيعيا حتى».. (يَعتبِر كل «ماروني» نفسه مُرشحاً طبيعياً للرئسة, رغم ان ليس هناك نص دستوري يشترِط أن يكون الرئيس مارونياً بل مسيحياً فقط, وحدث ان الموارنة احتكروا الموقع صُدفة أو عُرفاً ليس إلاّ)..
في السطر الأخير.. ثمَّة في لبنان مَن يُراهن على الدول الغربية، وبخاصة الأم الحنون فرنسا وبالطبع الولايات المتحدة. وهو ما يصبو إليه هؤلاء مع وصول الرئيس الفرنسي/ماكرون إلى واشنطن, دون ان يحاولوا ايجاد قواسم مُشترَكة مع أن شركاءهم في الوطن. على نحو لم يتردّد جعجع في القول: ما هو المنطق في ما يَطرحه حزب الله؟.. من انه «في غياب التوافق لا ضرورة لحضور الجلسات»؟ ثم يجيب بنفسه على سؤالَيّْه: مَنْ يُرِد التوافق، فعليه ان يتكلم من الأطراف الأخرى ويطرح مرشحه ومواصفاته.. التوافق - أضاف - الذين يريدونه هو ان نلتفَ حول?مرشح حزب الله... وهذا - واصلَ بحزم - مُستحيل بالنسبة لنا، وجنون من قِبَلهم.
فـَ«على مَنْ يتلو جعجع.. مَزاميره»؟
kharroub@jpf.com.jo