في خضم الاشتباك المُتدحرِج بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي/فرنسا وألمانيا خصوصا, حول خطة الرئيس بايدن لـِ«خفض التضخّم', وما تتركه هذه الخطة من أضرار على الشركات والاقتصادات الأوروبية, خاصة ان مشروع بايدن يتضمن «تخفيضات ضريبية وحوافز للطاقة', للشركات التي تستثمِر في الولايات المتحدة بشكلها الحالي. ما دفع معظم دول الاتحاد الى تشكيل جبهة مُوحدة ضد بايدن.
نقول: في خضم ذلك كله, يبرز في الأثناء الفشل الأوروبي في الاتفاق على المشروع الأميركي الأوروبي «الرامي» تحديد سقف سعري للنفط والغاز الروسيّيْن, على نحو ظهر فيه معسكران (داخل الاتحاد) الأول: يُنادي بأن ينحصر سعر البرميل الواحد بين 60-70 دولاراً, فيما اربع دول مُتطرفة في عِدائها لروسيا وكل ما هو روسي وعلى نحو انتقامي واضح, تدعو الى ان يكون سعر البرميل «30» دولاراً أو أقل. وهي بالإضافة الى بولندا دول البلطيق الثلاث ليتوانيا، استونيا ولاتفيا، ما تركَ الباب مفتوحاً إما لمزيد من المشاورات أو خصوصاً لمزيد من الخلا?ات, التي قد تحول دون توافق على تحديد سعر يحظى بقبول جميع, على ما ينص ميثاق الاتحاد. خاصّة بعد تحذير الرئيس الروسي/ بوتين من التداعيات الخطيرة لقرار كهذا حال اتخاذه، ناهيك عن اعلان الناطق باسم الكرملين بيسكوف ان بلاده لن تبيع النفط لأي دولة توافق على تحديد سقف للنفط أو الغاز الروسيين (موسكو بصدد التحضير لقانون رسمي في هذا الشأن).
وفي انتظار ما ستسفر عنه المشاورات والاجتماعات الأوروبية تحديداً، خاصّة ان التاريخ المحدّد للبدء في «تسقيف» سعر للنفط والغاز الروسيين سيبدأ الأوربيون والأميركيون تطبيقه الأسبوع المقبل «5/12». فإن مُجرد التدقيق في هذه الهستيريا الغربية الرامية الى منع «بوتين من تمويل حربه على أوكرانيا» كما يقول ناطقو البيت الأبيض والاتحاد الأوروبي والناتو، يدفع للاعتقاد حدود الجزّم, ان مُهندسي العولمة قد ضاقوا ذرعاً بـ اقتصاد السوق, وان الصراع الجاري الآن بينهم وخاصّة في ما تبديه واشنطن من جشع وأنانية, واستغلال للحرب الأوكرا?ية وتهويل بالخطرين الروسي والصيني. يُذكّرنا بالحروب التي دارت بين القوى الاستعمارية القديمة بل والحديثة الى ما قبل انتهاء الحرب الباردة, انما ضاقوا جميعاً بـ «اقتصاد السوق» وما وُصف بالقواعد التي تنظم التجارة الدولية بعد مباشرة «منظمة التجارة العالمية» عملها في 1/1/ 1995. إثر حلولها محل اتفاقية «جات» التي أُبرمت عام 1948. خصوصاً إذا ما عدنا الى المدّة الزمنية الطويلة والمُرهقة, التي احتاجتها الصين لنيل عضوية هذه المنظمة. التي كان يهيمن عليها في ذلك الحين(ونِسبيا هذه الايام) اكبر اقتصاديْن في العالم.. هما: ?لاقتصاد الأميركي والآخر الأوروبي.
إذ استغرق نيل الصين بطاقة العضوية في المنظمة «15» عاماً من المفاوضات المضنية بدخولها رسمياً في العام 2001، فيما زادت المدّة التي احتاجتها روسيا لتصل الى «18» عاماً من المفاوضات, ظنّت الأخيرة/ روسيا ان عضويتها في الـ«WTO» سـ«تُعزز تكاملها في الاقتصاد العالمي، وسيحقق لها قدراً أكبر من اليقين للقائمين على قطاع الأعمال والشركات التجارِيّين, بعد أن نات رسمياً عضوية المنظمة في نهاية العام 2011 (اي ان مفاوضاتها مع المنظمة كانت مع بداية عهد يلشين وانهيار الاقتصاد الروسي وبيع بل نهب القطاع العام السوفياتي). في حين ?صفَ رئيس الوفد الصيني المُفاوض بأن «الإنضمام» هو عملية تكون فيها «كل الأطراف رابحة».
فهل ثمّة قناعة الآن لدى موسكو وخصوصا بيجين, بأن ما يحصل الآن داخل المعسكر الغربي وبين الأخير وعلاقاته التجارية على الاقل مع كل من البلدين, هو دليل نجاح والتزام غربي وبخاصّة اميركي بقواعد اللعبة وما قررته وتقرره المنظمة التجارية العالمية من ضوابط وما تقِرّه من قوانين وأنظمة؟
...للحديث صِلة غداً.
kharroub@jpf.com.jo